السبت، 28 يوليو 2012

الجزء التاسع ، السير على أشواك النعيم


أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
الجزء التاسع
السير على أشواك النعيم
معتز عبد الرحمن
لأنه هو الخالق تبارك وتعالى فهو الخبير بخصائص خلقه وطبائعهم وما يحبون وما يكرهون (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) {الملك-14} ، ولأن الدنيا دار ابتلاء فسيمتحن الإنسان قطعا بالحرمان من بعض ما يحب وبالاضطرار إلى بعض ما يكره كي يتميز الخبيث من الطيب (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) {محمد-31} ، وليس على مستوى الجزاء الأخروي وحسب ولكن أيضا لأن العليم تبارك وتعالى هو الأعلم بصلاح شئونهم في الدنيا وما فيه الخير لهم.

يقول تبارك وتعالى في سورة الأنفال "الجزء التاسع" (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7)) ، هذه هي فطرة الإنسان يميل دوما إلى الحل الأسلم والأبسط والمريح ، ليست عيبا في ذاتها فهي طبيعة بشرية ذكرت هنا في هذه الآية ، وذكرت أيضا في قوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) ولأن الخبير لطيف ورحيم طمأن قلوبنا وعلمنا (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) ، من الآية السابعة في سورة الأنفال نتعلم:

1-    للنفس البشرية خصائص عامة ، ويأتي دوما الامتحان بخلافها ، يحب النوم فيطالب بصلاة الفجر ، يحب المال فيؤمر بالزكاة ، يكره المخاطرة والحر فيؤمر بالقتال في الحر ، يكره الفقر والمرض فيبتلى أحيانا بهما ، وإلا فكيف يتميز المحب المخلص من غيره ، وكيف يتميز المؤمن بالغيب الموقن فيما عند الله من الذي يعبد الله على حرف ، وهذا هو طريق الجنة ، طريق مفروش بالأشواك مختوم بالنعيم المقيم (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ){ آل عمران-142} ، والصبر والجهاد يستلزمان وجود مصاعب وآلالام وتحديات ، فلا تضجر من صعوبة الطريق ومخالفته هواك وراحتك ، فإن سلعة الله غالية ، سلعة الله الجنة.

2-    الحل المريح ليس بالضرورة يكون هو الحل السليم ، بل في أغلب الأحيان لا يكون حلا أصلا ، فلكل شيء ثمن ، ولا يحقق النصر إلا من يفتح لنفسه كل الخيارات يسيرها وعسيرها ، ذات الشوكة وغير ذات الشوكة ، وإلا فمن لا يملك خيار الحرب لا يملك خيار السلام ، ومن يتهيب مواجهة الظلم لن يستطيع أن يقيم عدالة ، ومن يتهيب دخول الباب خوفا من الجبارين يعيش في التيه عقودا وسنين ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر.

3-    لن تنتصر على نفسك وضعفها وعلى مشآق الطريق بدون عون الله وتأييده فلا تترك الاستعانة والتوكل على الله (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) {الأنفال-9} ، فسبحانه وتعالى يبتلي ويمتحن ثم يعين ويصبِّر ويوفق ثم يشكر ويكافئ ، ما أرحمه !

4-    جعل الله تبارك وتعالى في الطريق مساعدات ومحفزات ودوافع للإخلاص والصبر والصمود فاستعن بها ولا تتركها حتى لا تخور قواك ، تذكر الأجر دوما وأن رضا الله لا يماثله شيء وأن جنته فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، إذا اشتد عليك التعب تذكر (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) {النساء-104} ، وإذا شعرت بالوهن والضعف تذكر (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)) {آل عمران} ، إذا جمع الناس لك فتذكر (حسبنا الله ونعم الوكيل) وإذا اشتد المصاب فعليك بـ (إنا لله وإنا إليه راجعون) ، وإذا سخر المنافقون والمرجفون منك واستهزأوا بك وبضعفك في بعض مراحل الطريق قل لهم (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ) {التوبة – 52} ، واجعل رأسك دوما لإعلى مهما كان في جسدك من جراح ، واستعلي بدينك ونضالك مهما خذلك الناس ، فيكفيك عزا أنك عبد الله ذي الجلال والإكرام.

5-    ورغم أن أجر البلاء والسير على الأشواك كبير إلا أؤمرنا بأن نسأل الله العافية ، فأنت لا تدري ستثبت حينها أم لا ، فأسأل الله العافية ولكن إذا كتب البلاء وجاءت المواجهة فاستغث بالله واثبت تنل خيري الدنيا والآخرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أيها الناس ، لا تمنوا لقاء العدو ، وسلوا الله العافية ، فإذا لقيتوهم فاصبروا ، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف . ثم قال : اللهم منزل الكتاب ، ومجري السحاب ، وهازم الأحزاب ، اهزمهم وانصرنا عليهم) رواه البخاري
وأخيرا ، الدنيا قنطرة واستيطان القناطر سفه ، ولا يعنيك ما يصيبك من متاعب أثناء مرورك عليها ولكن ما يعنيك هو ما ينتظرك في الضفة الثانية منها ، فالطالب يوم نجاحه لا يجد في جسده أثرا للسهر والتعب ، والمؤمن تمحى آلامه عند أول قدم يضعها في الجنة (يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الدنيا من الكفار فيقال اغمسوه في النار غمسة فيغمس فيها ثم يقال له أي فلان هل أصابك نعيم قط فيقول لا ما أصابني نعيم قط ويؤتى بأشد المؤمنين ضرا وبلاء فيقال اغمسوه غمسة في الجنة فيغمس فيها غمسة فيقال له أي فلان هل أصابك ضر قط أو بلاء فيقول ما أصابني قط ضر ولا بلاء) رواه ابن ماجة ، صححه الألباني.

الجزء الثامن ، ارفع راسك فوق


أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
الجزء الثامن
ارفع راسك فوق
معتز عبد الرحمن
وأنا أتأمل الجزء الثامن والذي يحوي خواتيم سورة الأنعام وفواتح سورة الأعراف أول ما لفت نظري قوله تعالى كِتَابٌ أُنْـزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) {الأعراف-2} ، وقرأت في تفسيرها  ما مؤداه أن الله تبارك وتعالى يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بتبليغ كتابه بيقين لا يشوبه شك ، وبصدر منشرح غير ضيق دون أن يتحرج أو يخشى لومة لائم أو نقد ناقد، وذهبت على الفور لأتأمل قصص الأنبياء الواردة بالسورة لأرى كيف طبق أنبياء الله هذا المعنى الجليل في دعوتهم ، ولأرى كيف حقق الرسل الكرام الموعظة الحسنة دون تنازل ، واللين في التذكير دون انكسار ، وكيف أن الحكمة ليست مرادفة للذل وأن الرفق والحرص على نفع الناس لا يعني التنازل عن الثوابت.

 نعم لقد كانت دعوة الأنبياء كلها رفق تستشعره يفيض من لفظة (يا قوم) التي لم يفارقوها حتى بعد هلاك أقوامهم ومن قولهم (أخاف عليكم) التي جاءت على لسان نبي الله نوح في سورة الأعراف وعلى لسان الكثير من الأنبياء في سور أخرى ، حنان وحرص كبيران على المدعوين وعلى مصلحة الدعوة ولكن دون تفريط في عزة الرسالة وحامليها ، عندما هاجم الأقوام أنبياءهم بقولهم (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ،( إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) لم تأت الردود مهتزة خائفة متنازلة كمن يتحسس بطحة على رأسه بل جاءت (يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ  وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) ، لم يمنعهم الرفق والحرص عن إيضاح الحق بقوة وعن إبطال الباطل بوضوح (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَـزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71)) ، ورغم الاستضعاف والقهر لم يحاول المستضعفون أن يقفوا في أي منطقة وسطى بين الحق والباطل أو أن يواربوا فيما يعتقدون (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ).

ما دفعني اليوم للوقوف مع لمحات بسيطة جدا وللتأمل في فاتحة سورة الأعراف وبعض آيات قصص الأنبياء فيها هو ما نراه اليوم من أناس ينتسبون لمجال الدعوة الإسلامية ويتحدثون باسمها ولا تكاد تعرف لهم ثوابت ولا أصول ، ثوابتهم وأصولهم لا تحددها الآيات والأحاديث ، ولكن يحددها المحاور والمنبر التي يتحدث منه ، فإذا كان محاوره إسلاميا وجدته إسلاميا ، وإذا كان محاوره ليبراليا وجدته ليبراليا ، وإذا كان يساريا رأيته يساريا ، وإذا كان مسيحيا.... ، لا تعرف حدود عقيدته ولا أهداف دعوته ، إذا كان كل الناس مسلميهم وغير مسلميهم على حق فيما يبدو من حديثك فلماذا وإلى ماذا تدعو ؟ وإذا كنت تستشعر أن الإسلام هـم تتوارى من القوم وأنت تدعو إليه وتتنازل عن ثوابته عند أول تجهم من مناظرك وتحت مجرد ضغط كلامي من مذيع أو كاتب أو سياسي فلماذا تتصدر مختارا للدعوة إليه ولما تتحمل من أجل ذلك الإيذاء في سبيله وتدعي الاستعداد للموت لأجله؟ إن ما يحدث من هؤلاء أمر عجاب ، يثير غيظ القلب وطيش العقل ، إن الاعتزاز بالإسلام لا يكون بالشعارات العامة ولا بالرايات والهتافات ولكن بالاعتزاز بكل حرف من تعاليمه والتمسك بكل مبدأ وحكم من مبادئه وأحكامه ، إننا لسنا أتباع دين ناقص ولسنا أصحاب بطحة على رؤوسنا ، فالإسلام هو الدين الكامل والحق المبين وهو تاج على رأس كل من آمن به واعتنقه ودعا إليه ، وإن لم يشعر المسلم بالفخر بدينه وإن لم يشعر بكمال العز وهو يجهر بالدعوة إليه رضا الناس أو غضبوا فليراجع دينه ونيته وإيمانه ، وأنا لا أتحدث عن أسلوب الدعوة وما ينبغي أن يكون عليه من رقة وحكمة وموعظة حسنة ولكن كما ذكرت عاليا فرق كبير بين الرقة في الأسلوب والتنازل عن المبدأ نفسه.

وآخر ما أتوقف معه في خاطرة اليوم هو تناسب خواتيم سورة الأنعام – أيضا في الجزء الثامن – مع فواتح الأعراف وما فيها من قصص الأنبياء والاعتزاز بالتوحيد والدعوة إليه ، يقول تعالى في سورة الأنعام (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْـزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155)) الأنعام ، ثم يقول تبارك وتعالى آمرا إيانا بالاعتزاز بالإسلام والفخر والجهر به (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)).
تدبر في الجزء الثامن ، وارفع راسك فوق.

الجزء السابع، المسلم وميزان الأغلبية


أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
الجزء السابع
المسلم ، وميزان الأغلبية
معتز عبد الرحمن

لا يوجد على وجه الأرض أحد أكثر حرية من المسلم الذي يفهم دينه ويطبقه بشكل صحيح ، فالإسلام جاء ليكسر كل الأغلال عن أعناق بني آدم ويرفع رؤوسهم عالية فلا تنحني أبدا إلا لله ، نزع عنهم أغلال عبادة العباد من فراعين وأمراء وأصنام ، وأغلال هيمنة من يدعون الحديث باسم السماء ، وأغلال الأعراف الجائرة التي تحكم الكثير من المجتمعات ، وضبط طاعة الحكام والآباء وأهل الذكر واحترام ما تعارف عليه الناس بأن تكون الطاعة والاحترام فيما لا يخالف أوامر الله وفيما لا يكون محرما ، وبذلك حرر الإنسان من التماس  رضا الخلق ومنحتهم ومن الخوف منهم إلى التماس رضا الله وحده ورجاء فضله وخوف عقابه (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) {الزمر-29}.

ولكن للحرية ثمن يدفعه المؤمن في الدنيا ليهنأ بها هنا وينعم بالثواب يوم القيامة ، ومن صور هذا الثمن أن يشعر هذا الحر أحيانا بالوحدة والانفراد بسبب تعارض الحق الذي يلتزمه مع أهواء وسلوكيات المجتمع وساكنيه ، ولأن الإنسان اجتماعي بطبعه فكثيرا ما تحبطه هذه الغربة وتدفعه للتنازل عن بعض ما آمن به وأتبعه ، بل وكثيرا ما تخرجه عن الالتزام بالحق كلية ، والأسوأ من ذلك أن يظن المسلم المحق أنه على باطل لقلة صفه وكثرة المخالفين وعلو شأن بعضهم ، لذا فقد جاءت آيات كثيرة في كتاب الله لتضبط هذين الأمرين:

الأول: ضبط معيار تقييم الحق والباطل.
الثاني: تثبيت المسلم على ما عليه من حق في ظل قلة المعين.

وفي الأمرين جاءت آيتان في سورة المائدة (الجزء السابع)، في الأولى حذر القرآن الكريم من اتخاذ الكثرة معيارا للتقييم فقال تعالى (قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100)) ، فالحق ما جاء به الإسلام قرآنا وسنة وإن لم يتبعه أحد ، والباطل ما خالف الإسلام قرآنا وسنة ولو فعله كل الخلق أجمعين ، وجاءت آيات كثيرة لتضبط هذا المفهوم وتحذر من هذا المعيار الخاطئ ، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ) {الأنعام-116} ، (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)) {يوسف} ، وجاءت الأكثرية في عموم القرآن مذمومة موصوفة بعدم العلم وعدم الشكر وعدم الإيمان ، فإياك من اتخاذ العدد معيارا وإياك من السير مع التيار دون تثبت وتحقق من التزامه بتعاليم الإسلام واجتنابه لنواهيه.

وفي تثبيت القلة الصالحة على الحق وسط أمواج الباطل جاء قوله تعالى في نفس السورة والجزء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)) ، جاءت الآية الكريمة لتعلمنا أنه مهما خالف الحق أناسا ذوي عدد ومكانة فلا يضر ذلك المؤمن الغريب شيئا ولا يؤثر عليه ، جاءت الآية تثبيتا ودعما ودفعا للفتنة وللضعف البشري ، لا لتأمر المؤمنين بالتوقف عن النصيحة والدعوة وعن السعي للإصلاح والتغيير كما يظن البعض ، وهو ما حذر منه الصديق رضي الله عنه عندما قال ( يا أيها الناس ، إنكم تقرأون هذه الآية ، وتضعونها على غير موضعها { عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } وإنا سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ، ثم يقدرون على أن يغيروا ، ثم لا يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب ) رواه أبو داود وصححه الألباني ، وكلنا يحفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم (بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا . فطوبى للغرباء) رواه مسلم.

فصحح اليوم معيارك وأنت تبحث عن الحق ، وأسأل الله التوفيق بصدق ، فإذا وصلت بالحجة والدليل إليه فلا تنظر حولك لترى كم من الناس في صفك وكم منهم ضدك ، اثبت على الحق وادعوا إليه ولا تعبأ بالنتائج فمآلها إلى الله ، واصبر على الوحشة والغربة والانفراد كما صبر الأولون ، واصبر على السخرية والإيذاء كما صبر من هم أفضل منك ، وآنس قلبك بالله ونور طريقك باتباع نبيه صلى الله عليه وسلم ، وكن الجماعة ولو كنت وحدك.





الجزء السادس ، ادخلوا عليهم الباب


أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
الجزء السادس ، ادخلوا عليهم الباب
معتز عبد الرحمن

هي اللحظة الفاصلة ، هي اللحظة العصيبة ، هي اللحظة التي يقف فيها الإنسان أمام نفسه ليدهس بإيمانه الضعف البشري الكامن بين أضلعه ، لحظة يقف فيها المنطق أمام اليقين ، والحسابات البشرية المجردة أمام التوكل الحقيقي ، يبلغ صراخ النفس الضعيفة منتهاه ، ويستدعي الإنسان أقوى ما لديه من إيمان ، وعلى قدر كل منهما تميل الكفة وتكون النتيجة.

تقول حسابات النفس (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ)

ويرد الإيمان (ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ).

تقول التقديرات العسكرية (قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ)

فيجيب اليقين (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ).

تقول العين المجردة (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) فتجيب النفس المطمئنة (قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ).

يقول المنطق {لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا} فيجيب خير المتوكلين (لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)

يلقى إبراهيم في النار وهي أمامه نار تلظى لا تهدأ فيثبت ويحتسب، فيأتي الأمر (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ).

نتعلم من الجزء السادس ومن قصة قوم موسى والجبارين أن في الزمان نقاط انقلاب وتحول ، من الهزيمة إلى النصر ، ومن الاستضعاف إلى التمكين ولكن لهذه النقاط واللحظات سمات وعليها ملاحظات:

1- هي لحظات عصيبة على النفس وعواطفها ، مرفوضة من العقل وحساباته ، تأتي دوما بعد استفراغ الوسع ، واستنفاذ الأسباب ، تعد كل ما استطعت وتبذل كل ما لديك ثم تفاجأ أنك لازلت الأضعف وأن عدوك يبدو ظاهرا عليك منتصرا ، ولكنك مأمور بالمواجهة ، فتكون أحد رجلين:

أ‌- إما أن تثبت وتتحمل الألم النفسي لعواطفك ، وطيش عقلك وصدمته (وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا (11)) سورة الأحزاب ، فيأتي الفرج المطلق من الله والنصر المذهل من حيث لا تحتسب (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا) وهذا ما حدث في غزوة الأحزاب كما في الآية السابقة ، وحدث مع جيش جالوت ، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار ، و مع نبي الله موسى على شاطئ البحر ومع نبي الله إبراهيم في النار ومع سائر الرسل مع أقوامهم ، ومع كل مؤمن صادق ثابت على مر العصور.

ب‌- وإما أن تنهار الإيمانيات أمام الحسابات ، ويغلب حب الدنيا على الآخرة ، ومثال ذلك قصة قوم موسي مع الجبارين والتي نتناولها في جزء اليوم الجزء السادس من القرآن الكريم ، والتي أدى فيها التخاذل والخوف في النهاية إلى التيه أربعين سنة وضياع كل شيء ، ففرق كبير بين الأخذ بالأسباب وبين الإيمان بها ، فالأولى توكل والثانية مصيبة تعصف بالتوحيد واليقين ، رأيناها مرارا مع بني إسرائيل ومع منافقي المدينة في جُل الغزوات والمواقف التي تتطلب رجولة ويقين وثبات ، أما في العصور التالية لهم حتى عصرنا فحدث ولا حرج.



2- ورغم أن الإنسان يتعرض لهذا الامتحان القلبي العصيب في مواقف عديدة وعلى كل المستويات ، ولعل منهم ذاك المستمتع بظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها فقال : إني أخاف الله) ، إلا أن أغلب الأمثلة الشديدة تجدها في مواطن الجهاد والمواجهة مع طرف أقوى ، ذكرني ذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه النسائي وصححه الألباني (يا رسول الله ! ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد ؟ ! قال : كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) ، فامتحان الشهيد في يقينه وثباته أصعب من غيره لذا يعفى مما يمتحن به غيره في القبر ويثاب بأجر لا يتصوره أحد.

3- الوصول لهذا اليقين والثبات يحتاج إلى عمل عاجل وبداية فورية لمشوار طويل لتربية النفس والروح لأن الاختبار يأتي في أي لحظة وتكون تلك اللحظة كما ذكرنا فارقة وفاصلة إما نصر مؤزر وتغيير كبير للأفضل وإما ضياع وتيه وسوء ، لذا فالإعداد لها واجب وهام ولكنك لست من تختار التوقيت في أغلب الظروف وقد تأتي قبل أن تستكمل تصورك عن الاستعداد ، في حينها يكون العجب أن نجد من يضيع اللحظة بعدما جاءت بالفعل لأجل الإعداد التدريجي البطئ وكأن النصر ينتظر بالباب والمجد لم يخلق لغيرنا ، رغم أن كل ما عليه أن يتعامل مع الحدث بإمكانيات اللحظة فهي تمثل ما استطاع من قوة وما ملك من أسباب ويأتي مع هذا الإعداد اليقين القلبي الذي به تفوز القلة وينتصر بها الضعيف، أما إذا انتظر وتباطأ يضيع كل شيء ويجد العدو داخل داره ، فلا انتصار لحظي حقق ، ولا العدو سيسمح له بالتدريج الذي يحلم به ، وإذا أردنا أن صياغة ذلك بالمصطلحات السياسية المعاصرة فمن الممكن أن نقول (المنهج الإصلاحي التدريجي في اللحظة الثورية الفارقة هو عين الثورة المضادة وإن حسنت النوايا) فالتدريج لا يصلح لكل وقت ، والحسم أيضا لا يصلح لكل وقت، والإسلام فيه كل ذلك بحسب المعطيات والظروف واتخاذ منهجا واحدا منهما دون الآخر على طول الخط وطوال الوقت وفي كل المواقف خطأ فادح ثمنه قد يفوق الثمن الذي دفعه بنو إسرائيل في سورة المائدة (قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين) .


هي خاطرة قرآنية رمضانية بحتة ، ولكن لا مانع أن نختمها ببرقية ونقول (يا دكتور مرسي ، ادخل الباب ، إنا معك ثائرون وللحق مناصرون).