‏إظهار الرسائل ذات التسميات إعادة ضبط المنطق. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إعادة ضبط المنطق. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 17 أبريل 2015

نقطة نظام.. تعريفات متأخرة


هذه الحلقة بناء على طلب المتابعين ، وتأخرها في الترتيب خطأ مني ولا شك إذ دخلت في الحديث عن شروط الحديث الصحيح دون المرور على بعض التعريفات الهامة.
.
الإسناد: هو سلسلة الرجال الموصلة للمتن ، أخبرني معتز قال حدثني مصطفى قال سمعت حسام يقول أن إبراهيم قال ( غدا أجازة رسمية) ، كل ما قبل القوس هو الإسناد ، ذكر نقلة الكلام ووسيلة نقله (أخبرني - حدثني - سمعت ... إلخ)
.
المتن: ما ينتهي إليه السند من كلام. ، الكلام الذي سيقوله إبراهيم في النهاية هو المتن (غدا أجازة رسمية).
علم المصطلح: علم بأصول وقواعد يعرف بها أحوال السند والمتن من حيث القبول والرد.
إذن فهذه القواعد التي ذكرناها في الأصل يمكن تطبيقها على أي سند وأي متن، ولكن بالطبع هي لا تطبق بهذه الصرامة إلا على السنة النبوية لتعلقها بالتشريع فهي مصدره الثاني ، ولكنها إذا طبقت على كل نصوص التاريخ في الدنيا فقد لا يصح منها شيء مطلقا، في ميزان علم الحديث، ناهيك عن تطبيقها على النصوص المقدسة في الملل الأخرى التي نقلت بأسانيد مليئة بالمجاهيل والانقطاع والشذوذ والعلل الظاهرة القادحة ومع ذلك تجد بعض المنتسبين للإسلام يظهرون لها من اليقين والتبجيل والثقة أضعاف ما يظهرون لنصوصهم الشرعية الثابتة بحجة أن نصوصنا الشرعية لم تنقل بأسلوب علمي!! وكأن الأخرى نقلت فيديو على الهواء مباشرة مثلا!! إنه الهوى والهزيمة النفسية والعياذ بالله.
.
ما هو الحديث المتواتر؟
شروط الحديث المتواتر أن:
1- يرويه عدد كثير في كل طبقة يستحيل تواطؤهم على الكذب ،
- عدد كثير فمثلا يروي الحديث عشرون صحابيا ويرويه عنه عشرون أو ثلاثون تابعيا (الجيل التالي  للصحابة) ثم يرويه عن التابعين أربعون من تابعي التابعين وهكذا .
- يستحيل تواطؤهم على الكذب: أي أن طبيعة حياة وسيرة وسكن الثلاثين تابعيا يستحيل معها أن يكون جلسوا معا واتفقوا على اختلاق الحديث مثلا أو تغيير شيء فيه ، فهذا في بلد وذاك في بلد ، والثالث مات ولم يلق الرابع والخامس والسادس في حياته كلها ،  وهذا سمع من شيخ (صحابي) لم يلقاه الآخر وهكذا وما إلى ذلك من الدلائل المنطقية على استحالة تواطؤهم على الكذب، وذلك في كل طبقة من الطبقات التالية.
2- ألا يقل العدد في طبقة عن الطبقة التي تليها ، فلا يرويه مثلا عشرين صحابي ثم ينقله عنه عشرة من التابعين ثم خمسة من تابعي التابعين ، العدد يزداد مع كل طبقة أو على الأقل يثبت.
3- أن يكون منتهى كلامهم الحس ، أي يكون كل منهم سمع بنفسه أو شاهد بنفسه.
.
ما هو حديث الآحاد؟
هو أي حديث لم يحقق شروط المتواتر ، فليس معنى الآحاد أن يكون رواه واحد فقط كما يعتقد البعض ، فقد يروي الحديث عشرة في الطبقة ولكنه آحاد لعدم تحقق الشرط الثاني مثلا ، وما إلى ذلك، وحديث الآحاد هو ما يتعلق به أكثر عمل المحدثين وشروط الحديث الصحيح الشديدة التي ذكرناها ، فعدم تحقق التواتر يزيد أهمية الحرص واليقظة في تحقيق الحديث.
.
فإذن ففرق بين أن أقول حديث صحيح وحديث حسن وحديث ضعيف ، وبين أن أقول حديث متواتر وحديث آحاد ، فهذا تقسيم وذاك تقسيم آخر ، الأول تقسيم من حيث القبول والرد ، فالصحيح والحسن (والصحيح لغيره والحسن لغيره) مقبولون ، والحديث الضعيف (بأنواعه) حديث مردود ، أما الحديث المتواتر والحديث الآحاد فتقسيم من حيث طريقة وصوله إلينا ، فالمتواتر دائما صحيح طالما حقق الشروط ، وأما الآحاد فيخضع للنقد والبحث وتطبيق شروط الحديث الصحيح التي ذكرناها من قبل.. والله المستعان
.

* لا تنسى قراءة الحلقات السابقة من السلسلة فهي مترابطة.
* مصادر للاستزادة
1- الباعث الحثيث في شرح اختصار علوم الحديث. للإمام ابن كثير وشرح الشيخ أحمد شاكر.
2- تيسير مصطلح الحديث للدكتور محمود الطحان
3-نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر. للإمام ابن حجر العسقلاني ، بتحقيق وتعليق أ.د عبد الله بن ضيف الله الرحيلي.
4- الرسالة للإمام الشافعي ، تعليق وتحقيق الشيخ أحمد شاكر.
5- المنهج النقدي عند المحدثين وعلاقته بالمناهج النقدية التاريخية، عبد الرحمن بن نويفع فالح السلمي.



الاثنين، 13 أبريل 2015

هل ينسى الراوي؟ (2)


توقفنا في نهاية الحلقة السابقة عند الشرط الرابع من شروط الحديث الصحيح وهو (انتفاء الشذوذ) ، وبينت شيئا من معانيه ببساطة ، والآن نذكر مثالا عليه لتوضيحه أكثر ثم نكمل.
عن {هَمَّامٌ} حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ( كُلُّ غُلاَمٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَ"يُدَمَّى"(.
عَنْ {سَعِيدٍ بن أبي عَروبَة} أَنْبَأَنَا قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ ) كُلُّ غُلاَمٍ رَهِينٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَ"يُسَمَّى" (
{همام} روى الحديث بلفظ (يدمّى)
{سعيد بن أبي عروبة} روى الحديث بلفظ (يسمّى)
حديث همام هو الشاذ ، لأن سعيد ثقة ومن أثبت أصحاب قتادة ، أما همام فليس من الطبقة الأولى في أصحاب قتادة وثبتت له أخطاء في الرواية عنه وإن كان ثقة، فقدمت رواية سعيد على رواية همام وحكم على رواية همام بالشذوذ ولم تحقق شروط الصحة رغم اتصال السند وعدالة وضبط الرواة ، ولعل هذا اللفظ الشاذ - والله أعلم - سر الموروث الثقافي الذي يلتزم به البعض بوضع دم العقيقة على رأسه المولود وجسده.
.
الشرط الخامس: انتفاء العلة
والمقصود بالعلة وجود سبب غامض خفي يقدح في صحة الحديث، فانتفاء أحد الشروط الثلاثة الأولى (انقطاع السند أو وجود راوي غير عدل أو غير ضابط) يعتبر علة ظاهرة ، ولكن التدقيق في الحديث لا يقف عند هذا الحد فيبحث فيما وراء ذلك، كما الحال في الشرط الرابع.
مثال على وجود علة خفية قادحة.
الترمذي / حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد السلام بن حرب الملائي عن الأعمش عن أنس: قال كان النبي صلى الله عليه وسلم (إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض)
هذا السند متصل ظاهرا ، بجانب أن رواته عدول ضابطون ، العلة الخفية أن الأعمش عاصر أنس ورآه (اتصال ظاهر) ولكنه لم يسمع من أحاديث قط ، هذه علة "خفية" تجعل هذا السند منقطعا وبالتالي ضعيفا.
ولكن متن الحديث صحيح لأنه جاء بسند آخر متصلا محققا الشروط الخمسة، وهذه ملحوظة مهمة أن ضعف سند معين لمتن لا يعني بالضرورة ضعف المتن لاحتمالية وروده بأسانيد أخرى صحيحة.
.
فوائد مهمة:
1- إن كان تحقيق الأحاديث في المجمل عمل يحتاج لعلم ومهارة ودقة ، ولكن بلا شك أن التحقق من الشروط الثلاثة الأولى أسهل بكثير من الشرطين الرابع والخامس ، فالشروط الثلاثة الأولى يمكن تحقيقهما بالاطلاع على سيرة راو راو وأن بينهما اتصال ، وعلى تصنيف راو راو في كتب الرجال لمعرفة أحوالهم من حيث العدالة والضبط ، أما الرابع والخامس فيحتاجان إلماما كبيرا جدا بالسنة وبالطرق المختلفة للحديث الواحد، ومعرفة درجات الرواة الثقات في المجمل وعدم الاكتفاء بمعرفة كونهم ثقات وحسب ، ثم معرفة من أوثق من غيره في الرواية عن شيخ معين ، وقد ألفت كتب كاملة في علم علل الحديث لأهميته ودقته ، كل ذلك من أجل القول بأن حديث كذا صحيح ، وحديث كذا غير صحيح ، ولذلك لم يبرع في دراسة وتطبيق هذين الشرطين إلا الأئمة المتميزون المتبحرون في علوم الحديث وعلى رأسهم البخاري ومسلم وهذا من أسباب تميزهما ومكانتهما بين العلماء بشهادة العلماء من معاصريهم والأجيال اللاحقة.

2- الحديث الذي يحقق الشروط الثلاثة الأولى يسمى (صحيح الإسناد) ، أما (الحديث الصحيح) فلابد أن يحقق الشروط الخمسة ، وهذه ملحوظة تجدها في المواقع والبرامج الألكترونية التي تستخدم للبحث عن الأحاديث ، تجد مثلا في موقع الدرر السنية الشهير في البحث المتقدم اختيارات (أحاديث حكم  المحدثون عليها بالصحة) أو (أحاديث حكم المحدثون على أسانيدها بالصحة) والفرق كبير كما تبين ، فالأول يعني تحقق الشروط الخمسة عند مصنف الكتاب الذي ستجد فيه الحديث ، أما الثاني فيعني تحقق ثلاثة فقط ولا يعني بالضرورة تحقق الشرطين الرابع والخامس.

وفي نهاية هذه الحلقة أقول ، إن الشرح المبسط المختصر جدا لهذه الشروط يلقي الضوء فقط على شيء من الجهود والاشتراطات التي تحمي جناب الحديث من خطأ الراوي الثقة ونسيانه ، لكن جهود المحدثين لا تقف عند هذا الحد، وتحقيقهم لهذه الشروط ليس بهذه البساطة الظاهرة في الطرح ، والسلسلة مستمرة إن شاء الله لنتعرف أكثر وأكثر - سويا - ونوسع معرفتنا وثقافتنا - أيضا سويا - والله المستعان
.
 .........................................
* لا تنسى قراءة الحلقات السابقة من السلسلة فهي مترابطة.
* مصادر للاستزادة
1- الباعث الحثيث في شرح اختصار علوم الحديث. للإمام ابن كثير وشرح الشيخ أحمد شاكر.
2- تيسير مصطلح الحديث للدكتور محمود الطحان
3-نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر. للإمام ابن حجر العسقلاني ، بتحقيق وتعليق أ.د عبد الله بن ضيف الله الرحيلي.
4- الرسالة للإمام الشافعي ، تعليق وتحقيق الشيخ أحمد شاكر.
5- المنهج النقدي عند المحدثين وعلاقته بالمناهج النقدية التاريخية، عبد الرحمن بن نويفع فالح السلمي.



الجمعة، 10 أبريل 2015

هل ينسى الراوي؟ (1)


.سؤال مشروع جدا .. بل واجب
ولا تتعامل معه كأنه وساوس الشيطان وترفض التفكير فيه ، ولا تتعامل مع من يسأله على أنه مفتون بالضرورة وتكتفي بزجره.
المشكلة الحقيقية أن يطرح السؤال بأسلوب تقريري كوميدي .. هل ينسى الراوي ؟ .. وهل هناك إنسان لا ينسى .. إذن لا نأخذ السنة .. (يا سلام) .. أو نخضع قبولها وردها لميزان آخر أكثر عشوائية وتغيرا من ميزان التذكر والنسيان وهو ميزان عقل كل فرد وذوقه ورؤيته التي لا تكاد تتطابق بين فرد وآخر.
إن نسيان الراوي يمثل 50% من دواعي قيام علم الحديث أصلا ، بجانب ال50% الأخرى والتي تمثل كذب الراوي.
فهلا سألنا وبحثنا - إنصافا - عن الأدوات التي استخدمها المحدثون لتقصي ومعالجة ومواجهة هاتين الصفتين البشريتين وانقاذ السنة من آثارهما السيئة؟ قبل أن نلقي الاتهامات بهذه السطحية واللاموضوعية المثيرة للضحك والشفقة والغضب على سواء.
كمسلم عادي ، عامي للغاية سألت نفسي هذا السؤال كثيرا ، وكنت اسأله بفطرتي لا مدفوعا من برنامج هذا ومقال ذاك ، فلأن النسيان فطري ولأن الكذب وارد جدا على البشر يصبح هذا السؤال فطريا بالضرورة ، وبالضرورة يصبح العمل من أجل معالجتهما فطريا أيضا.
وبقراءة بعض الكتب القديمة والحديثة والاستماع للعديد من محاضرات المتخصصين ، أكتب ملخصا بسيطا جدا لنفسي قبل القاريء ، من أجل تحصيل شيئا من المعرفة معا كما قلت والتزمت في أول حلقة في السلسلة ، مؤكدا أنني أكتب من مقعد المتعلم لا المعلم ، منتظرا في التعليقات علما وإفادة وتناصح أكثر بكثير مما سأكتب، أكرر هذا ملخص بسيط أتجنب فيه بعض التفاصيل لعدم التشتيت.
.
متى يكون الحديث صحيحا عند علماء الحديث؟
الحديث الصحيح عند علماء الحديث لابد أن يحقق خمسة شروط:
الأول: أن يكون متصل السند، أي لا يكون هناك أي انقطاع بين الرواة ، لا يجوز مثلا أن يروي معتز عبد الرحمن عن جده وقد مات جده قبل مولده أو وهو طفل صغير لا يميز ، ولا يجوز أن يروي مثلا عن شيخ كانت حياته كلها بين الهند والصين والجزيرة العربية ، في حين أن معتز حياته كلها كانت بين مصر وليبيا وتونس مثلا ، ولم يثبت أنهم ألتقيا قط.
.
الثاني: أن يكون الرواة عدول ، والراوي العدل يكون مسلما بالغا عاقلا غير فاسق ولا مخروم المروءة ، والإسلام والبلوغ والعقل مفهومون ، أما أن يكون غير فاسق فأن يكون من المعروفين بالصلاح والتقوى وعدم الوقوع في الكبائر والمجاهرة بالمعصية ، وبالطبع من أهم الأمور التي تسقط عنه هذا الوصف أن يكون كاذبا أو متهما بالكذب ، فلا يعد الراوي من رواة الأحاديث الصحيحة إن علم عنه ذلك أو ثبت عليه ذلك بالتحري في مروياته ، أما ألا يكون مخروم المروءة فهو لا يأتي الأمور العيب التي تنتقص من صاحبها وإن لم تكن حراما ، وهي أمور تعرف عرفا وتختلف من زمان لزمان ومكان لمكان ، وهي طاعنة في عدالة الرواي وإن لم تكن حراما صريحا لعظم المسئولية التي يؤديها الراوي في نقل المصدر الثاني للتشريع الإلهي وهو السنة النبوية.
.
الثالث: أن يكون الرواة ضابطين ، أي معروفين بشدة الحفظ إن كانوا يحدثون من الذاكرة والحفظ ، أو بحفظهم لكتبهم إن كانوا يحدثون من صحفهم ، والأول يسمى (ضبط صدر) والثاني يسمى (ضبط كتاب) ، وحفظ الراوي وضبطه يعرف بمقارنة مروياته دوما بمرويات أقرانه ، فكلما توافقت مروياته مع مرويات الثقات كلما ثبت له الضبط ، وبمقدار ما يزيد اختلافه عنهم وتفرده كلما قل ضبطه ، وأما ضبط الكتاب فمن علم عنه عدم المحافظة على كتبه وثبت أن غيره قد دس له في كتبه شيئا فحدث به قلت درجته في الضبط أو ترك حديثه تماما حسب مقدار الخطأ، وهذا أمر أهتم به المحدثون إلى حد تحديد تاريخ ضياع أو احتراق كتب بعض الرواة الذين يحدثون مما يكتبون وإسقاطهم لما رووا بعد هذه الواقعة لأنهم كانوا معروفين بحفظ الكتاب فقط مع ضعفهم في حفظ الصدر وما إلى ذلك، وهذا شرط به درجات ، فالراوي الثقة ليس بالضرورة أنه لا يخطيء ولكنه معدود الخطأ ، بخلاف كثير الخطأ ، واختلاف الدرجة في هذا الشرط هي التي ينبثق عنها الحديث الحسن ، فالحديث الحسن هو نفسه الحديث الصحيح ولكن إن خف ضبط أحد رواته ، ولكن دون أن يصل ضبطه إلى درجة الضعيف.
.
ولكن لا يزال السؤال قائما، هل معنى أن الحديث متصل السند وأن الرواة عدول وأنهم ضابطون ثقات في حفظهم أنهم لا يخطئون وأن أي حديث يصلنا منهم يكون بالضرورة صحيحا؟
هذا دور الشرطين الرابع والخامس اللذين لا يذكرهما الكثير من المتحدثين عمدا أو جهلا ، فالراوي الثقة الحافظ - كما قلنا - قليل الخطأ وليس عديم الخطأ ، فكيف يتم التغلب على هذا الاحتمال؟
.
الشرط الرابع: انتفاء الشذوذ: والشذوذ هو مخالفة الثقة للثقات .
فالحديث بعد تحقق الشروط الثلاثة الأولى يقارن بمرويات الثقات الآخرين لنفس الحديث فإن خالفها ولو في كلمة واحدة علم أن الراوي هنا أخطأ، والشذوذ قد يكون في السند أو يكون في المتن ، في السند أن يكون الثقات كلهم رووه عن شيخ معين وبتسلسل معين والثقة المتفرد رواه عن شيخ آخر أو بتسلسل مختلف ، وفي المتن أن يكون الرواة الثقات رووه بمتن معين ثم خالفهم هذا الثقة ولو في كلمة فضلا عن أن تكون جملة ،فهذا مما يثبت به خطأ الراوي الثقة ، لذلك فكثرة الأسانيد للحديث الواحد مصلحة عظيمة بعكس ما يرى قصيرو النظر الذين يعتبرون كثرة المرويات مدعاة للنسيان والخطأ و(اللخبطة) ولكن هذه (اللخبطة) تكون للجهلاء مثلي ومثلهم ، أما أهل التخصص فكثرة المرويات تساعدهم على اصطياد الخطأ ولو ورد عن ثقة ، بالضبط كما في رواية التاريخ ، كلما كثر شهوده والوثائق التي تقصه سهل استخلاص القصة الحقيقية والوقائع الحقيقية ، بخلاف أن تكون المصادر قليلة.
والشذوذ لا يثبت فقط بالعدد ، أي أن يخالف القليل الكثير ، بل يثبت مثلا بفرق درجة صحبة الراوي وملازمته للشيخ الرواي ، فالتلميذ الذي لازم الشيخ كثيرا وسمع منه الأحاديث مرارا توثيقه في الرواية عن هذا الشيخ أكبر من توثيق من لقى الشيخ لفترة وجيزة ، فيقدم طويل الصحبة على قصير الصحبة ، فمعتز قد يكون أوثق من مصطفى عندما يروي عن محمد لأن معتز شقيق محمد ولازمه فترة طويلة وسمع منه مرارا وقرأ عليه مرارا بينما لم يتوفر لمصطفى ذلك ، ومصطفى أوثق من معتز عندما يروي عن إبراهيم لأنه لازم إبراهيم سنوات في مجلسه والدراسة على يديه في حين أن معتز لم يجالس إبراهيم إلا مرات معدودة وارد أن يكون في إحداها مرهقا هو أو إبراهيم فسمع الحديث مرة خطأ فحفظه بخطئه.
الشرط الخامس مع أمثلة أكثر على الشرطين الرابع والخامس في الحلقة القادمة إن شاء الله حتى لا نطيل ..

* لا تنسى قراءة الحلقة الأولى والثانية من السلسلة فهي مترابطة.

* مصادر للاستزادة
1- الباعث الحثيث في شرح اختصار علوم الحديث. للإمام ابن كثير وشرح الشيخ أحمد شاكر.
2- تيسير مصطلح الحديث للدكتور محمود الطحان
3-نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر. للإمام ابن حجر العسقلاني ، بتحقيق وتعليق أ.د عبد الله بن ضيف الله الرحيلي.
4- الرسالة للإمام الشافعي ، تعليق وتحقيق الشيخ أحمد شاكر.
5- المنهج النقدي عند المحدثين وعلاقته بالمناهج النقدية التاريخية، عبد الرحمن بن نويفع فالح السلمي.



الخميس، 26 مارس 2015

يعني إيه كلمة (نبي)؟

#إعادة_ضبط_المنطق (2)
يعني إيه كلمة (نبي)؟
.
ما الذي يجعلك تستنكر فتح مهندس لعيادة طبية؟ وما الذي يجعلك تشرب الدواء الذي وصفه الطبيب بالمقدار الذي حدده ولا تقبل شرب نفس الدواء بنفس المقدار إن  صدر الوصف من مدرس؟ تتناوله متجاهلا كون طعمه مر أم حلو وكون أعراضه الجانبية المسجلة مقبولة أم لا ؟ بل وتتناوله وإن تجاوزت الجرعة التي حددها الطبيب الجرعة المكتوبة في نشرة الدواء نفسه؟  الفارق هو إدراكك لمهمة وصلاحيات ومعرفة كل منهم، فإن قلت لأحدهم لقد ذهب صديقنا فلان إلى الطبيب وكتب له الدواء فقال لك (كيف يكتب الطبيب أدوية أيها المخبول ، إما أن صديقك كاذب أو أنك أنت الكاذب أو أن أحدكما نسي ) وكذلك إن قلت عن مهندس أنه صمم مبنى فقال صاحبك (عقلي لا يقبل أن يرسم المهندس لوحة أو أن يصمم مبنى !) أو أن مدرسا شرح لابنك الدرس فقال(فطرتي لا تستوعب أن يشرح المدرس الدرس! ابنك يدعي!!)  فالخلل قطعا في عقله وتصوراته وتعريفاته ، ويجب أن يراجع هو لا أن يراجع الطبيب والمهندس والمدرس .. أو من نقل الخبر عنهم.
.
وفي الحقيقة كثير من الأطروحات التي تقال كشبهات حول السنة سببها عدم استيعاب صاحب الشبهة أو المتأثر بها بتعريف "النبي" وصلاحياته وما يمنحه الله تبارك وتعالى له.
أولا: المعجزات
من الأحاديث التي قد يردها البعض عقلا الأحاديث التي تحتوي ذكر معجزات للنبي محمد صلى الله عليه وسلم - كحنين الجذع إليه صلى الله عليه وسلم وسماع الصحابة لصوته وبركة الطعام ونبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من الأمثلة ، بدعوى أن هذه خوارق غير منطقية! وبالتالي يصبح الحديث في رأيه مكذوبا ولابد ، وبالتالي سائر الكتاب مشكوكا في أمره ، وبعدها تصبح السنة كلها لا حجية لها ، كيف يكتب الطبيب روشتة ؟!! حاجة عجيبة والله!!
والحقيقة وإن كانت هذه نقطة لا تستحق التعقيب ولكننا في زمن للأسف كل شيء أصبح يحتاج إلى تعقيب، إن معجزات الأنبياء -والتي هي بطبيعة الحال كلها خوارق للعادة- ثابتة بالقرآن الكريم قبل السنة ، وأنت لا ترد الحديث من جهة سنده كي تقول القرآن متواتر والحديث المذكور آحاد مثلا ، أنت ترده من جهة منطقية متنه ، فإن كان العقل لا يقبل أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأنبياء معجزات وخوارق فهذا يوجب عليك بنفس العقل أن ترد وترفض الأمثلة المذكورة في القرآن الكريم لأن قوة السند هنا ليس لها دور في تقييمك ، أما إن كان عقلك يقبل أن للأنبياء معجزات وخوارق فذكر معجزة في الحديث لا تقوم كحجة لرده وتكذيبه بأي حال من الأحوال كما تفعل وتستدل، لأنها مقبولة جدا عقلا إذا صدرت من نبي، فالعقل الذي يقبل إحياء الموتى وشفاء الأبرص والأكمه وإحياء ميت بضرب بأجزاء من البقرة وشق البحر بعصا وتحول العصا إلى ثعبان وخروج الناقة والطوفان وتسخير الجن والطير والحيوانات وغير ذلك يقبل ولابد حنين الجذع وبركة الطعام ونبع الماء وغير ذلك.
.
ثانيا: التشريع
إن الله قد أرسل الأنبياء أجمعين بعقيدة واحدة ، وهي التوحيد ، راجع في ذلك قصص الأنبياء في القرآن الكريم عموما وفي سورتي الأعراف وهود خصوصا والتي تكرر في قصص الأنبياء فيهما (يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) ، أما التشريع والذي يمكن أن نسميه أحكام الفقه فاختلفت فيه شرائع الأنبياء (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)) سورة المائدة.
.
وجاء على لسان نبي الله عيسى (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50)) سورة آل عمران ، وما حرم على بني إسرائيل من الطعام مختلف عما حرم علينا ، وحرم عليهم الصيد يوم السبت ولم يحرم علينا في أي يوم بل لم يحرم صيد البحر حتى في الإحرام ولكن حرم صيد البر فيه، وقتل النفس الذي في شريعتنا محرما بل وفي شريعة بني إسرائيل أيضا محرما ، كان واجبا وفرضا على بني إسرائيل في موقف محدد - بعد عبادة العجل - كي يتوب الله عليهم (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)) سورة البقرة ، ولو أمرنا الله به لوجب علينا التنفيذ كما جاء في قوله تعالى (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66)) سورة النساء ، وإلى غير ذلك من الأمثلة التي نفهم منها أن الميزان الذي يوزن به الحلال والحرام لكل أمة نزل إليها مع نبيها المكلف بالبلاغ.
.
بل إن النبي الواحد يوحى إليه الحكم ثم يوحى إليه غيره في نفس المسألة اختبارا للمؤمنين هل يتبعون الأمرين أم لا ، ومن أشهر أمثلة ذلك في الإسلام تحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام ، (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)) سورة البقرة، وتأمل في (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) ، فالنبي هو الإنسان الوحيد الذي يجب اتباعه في الأمر وعكسه لأن الحكمة من ذلك اختبار مدى تصديق قلب المؤمن بنبوة النبي وبلاغه عن ربه (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)) سورة النساء، وهذه خصيصة للأنبياء فقط لأنهم لا ينطقون عن الهوى ، ولا يأمرون إلا بأمر الله ولا ينهون إلا بنهي الله تبارك وتعالى ، ولما وقع أهل الكتاب فيها مع رهبانهم وأحبارهم - وهم بشر عاديون لا يوحى إليهم - وصف القرآن الكريم هذا الفعل بالعبادة (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)) سورة التوبة.
.
والنسخ ثابت قرآنا وسنة (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106)) سورة البقرة ، (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102)) سورة النحل ، وفي ذلك - كأمثلة -  تدريج تحريم الخمر ، ومرور فرض الصوم وصفته بأكثر من مرحلة وغير ذلك من أحكام تغيرت أكثر من مرة بوحي من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم.
.
بل إن النبي هو الذي يحدد كمبلغ عن الله تبارك وتعالى الاستثناءات من القواعد وتقييد المطلق ، وفي ذلك استثناء النبي محمد صلى الله عليه وسلم من التزام الأربعة زوجات كحد أقصى (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (50)) سورة الأحزاب ، ثم نهيه عن الاستزادة بعد ذلك بل وعن الاستبدال - والاستبدال مباح لعامة الأمة أن يطلق الرجل إحدى نسائه ويتزوج غيرها -  (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (52)) سورة الأحزاب.
.
إذن فإنكار حديث فقط بدعوى أن فيه تشريع غير مقبول عقلا للقاريء يجعلنا نتساءل من الذي يضع المسطرة التي نقيس بها التشريعات التي يقولها النبي صلى الله عليه وسلم؟! من الذي يحاكم من؟! إن المؤمن إذا آمن بالله ورسوله وتيقن في أن النبي مبلغ عن ربه تبارك وتعالى صادقا مصدوقا لا ينطق عن الهوى جلس أمامه ليتعلم وليعرف ما أحل الله له وما حرم عليه ، والأهم أن يعرف من النبي صلى الله عليه وسلم المطلق والمقيد والقاعدة والاستثناء ، كما عرف بنو إسرائيل من نبيهم موسى عليه السلام أن القتل حرام كقاعدة (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84)) سورة البقرة ، ثم جاء الوحي باستثناء للقاعدة  (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)) سورة البقرة ، فتكون المهمة الرئيسية هي ثبوت نقل قول النبي صلى الله عليه وسلم وصحته - وهو ما سيكون له نقاشا تفصيليا في الحلقات المقبلة إن قدر الله لنا الاستمرار - فإذا وصل الوحي إلينا جلسنا نتعلم مستعينين بالله ثم بفهم الصحابة الذي شهدوا نزول هذا الوحي وكافة مراحله ما الناسخ والمنسوخ والمطلق والمقيد ، نتعلم القاعدة والاستثناء ومواطن هذا الاستثناء واستعماله ، لأن هذه صلاحيات منحها الله تبارك تعالى لأنبيائه وجعل لهم طاعة متضمنة لطاعته تبارك وتعالى بالضرورة (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80)) سورة النساء ، أما أن يكذب الحديث لأنه يبدو للقارئ - الجاهل مثلي عادة - مختلف عن الأحكام العامة التي يعرفها ويحفظها - إن كانت صحيحة أصلا - فهذا جهل بمفهوم النبوة وبمفهوم الوحي الواضح في القرآن الكريم وفي قصص الأنبياء صلوات ربي عليهم وسلامه (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)) سورة يوسف.


إمام أهل الفيزياء


***
كنا كثيرا ما نقول في الكلية (تخيل كم كنا سنرتاح إذا أكل نيوتن التفاحة بدلا من أن يفكر في أسباب  سقوطها) هذا بعيدا عن كون هذه القصة صحيحة أم لا ، ولكن سبب "القلشة" السخيفة هو أن قوانين وجهود نيوتن قد بنيت عليها علوم كثيرة لاحقة كنا نعاني في دراستها في الكلية ، بل اسمه يطلق على أحد أشهر وحدات القوة ، نفس التعليق قد يقال على أرشميدس صاحب قانون الطفو الذي تصمم به السفن والمنشآت البحرية إلى الآن، ليته اغتسل واقفا ، وقد كان لي تعليق أسخف لم يستعمله غيري حول (برنولي) ، فبعد سنتين من دراسة ميكانيكا الموائع والهيدروليكا لم أجد خطوة أو معادلة تقريبا إلا ويبدأ اثباتها من معادلة (برنولي) ، فكنت أقول إنه لو ثبت خطأ هذه المعادلة الآن فسينهار مبنى قسم الهيدروليكا نفسه لا العلم فقط.
***
هكذا هي العلوم ، بحار لا شاطيء لها ، وعلماء لا يحصى عددهم ، ولكن يكتب لبعضهم القبول والتميز وخلود أسمائهم بوصولهم لنتائج وتقديمهم لخدمات علمية لم يوفق غيرهم إليها ، ولكنهم لا يصلون إلى هذه المكانة إلا بعد رسوخ هذا التميز بخضوعه لدراسات أقرانهم وخلفهم وثبوت صحته ، فمما لا شك فيه أن نيوتن ليس وحيدا في مجاله ولا أرشميدس ولا برنولي ، حتى في هذا العصر الأبحاث لا تنتهي و عدد الأبحاث التي تقدم في مؤتمر واحد يتخطى المئات ولكن استمرارية المنتج العملي وعلو ذكره يعتمد على مدى دقة البحث والتي تتبين من خضوعها للدراسة المتخصصة ثم مدى نفع هذا المنتج للبشرية في مجاله والمجالات الأخرى التي تحتاجه.
ولا تظن أن هذا مرتبط فقط بعلوم الطبيعة التي تصف فيها المعادلة حقيقة كونية يمكن اثباتها بإجراء آلاف التجارب العملية فتعطي نفس النتيجة ، فليس جل هذه النظريات والمعادلات كذلك بالضرورة ، ولكن حتى إذا نظرنا إلى علوم اللغة (العربية أو غيرها من اللغات) وعلوم البلاغة مثلا وهي علوم غير تجريبية رأينا أيضا نفس الأمر ، فعلى مدى العصور وضعت للغات قواعد وتميز فيها أقوام وكتب ومصنفات ، صارت مرجعا به نحكم على اتقان كتّاب ومتحدثي اليوم للغة ، ولا يمكن لأحد ولا يسمح لأحد أن يأتي اليوم ليلغي قاعدة لغوية أو يضع قاعدة لغوية هكذا بلا سند ولا دليل علمي مبني على أصول هذا العلم المترسخة على مدى قرون ، وفي مجال كهذا أيضا ينبني التميز على نفس القاعدة ، فالمصنفون كثر والكتب لا تحصى وإنما تميز هذا الكاتب وهذا العالم وذاك الكتاب يإقرار أهل المجال له ودراستهم لتفاصيله وعرضها على أصول العلم ، وعلم اللغة كمثال هو علم موروث منقول بأسانيد لن ترقى بأي حال إلى قوة ودقة أسانيد السنة ولم تخضع لنفس التدقيق والاهتمام ، وكذلك العلوم الأخرى كالتاريخ والفلسفة والمنطق ، فكل هذه النظريات والأحداث والعلوم بين أيدينا ، يعرف المتخصصون غثها من سمينها ويعرفون كيف يميزونها ، والأهم أنه لا يسمح لغير المتخصصين ولا يقبل منهم الحديث فيها جزافا ، بل لا يقبل من المتخصص أن يأخذ منها ويرد برأيه وهواه دون حجة ودليل من بطن العلم الذي يتحدث فيه.
***
هذه حقائق مشاهدة ومقدمة أردت أن أرسيها لترى كم التناقض الذي يحدث في هذه الحقائق إذا ما تتطرق الحديث إلى علوم الشرع ، يتجاهل المغرضون والسطحيون كل هذه الأسس التي يطبقونها في أي علم آخر ، فيسمح للجاهل بالكلام ولا يطالب بحجة علمية على ما يقول ، بل هكذا بهواه وحسب ، ويسمح لمن له تخصص أن يتكلم دون عودة أيضا لهذا التخصص الذي يدرسه ، ويسمح العوام لأنفسهم أن يقبلوا ويردوا هكذا (خبط لزق) في نفس الوقت الذي لن يقبل أحدهم بطعن في نيوتن إلا إذا أقره أهل الفيزياء ، ويتورع أن يفتي في إعراب كلمة لجهله باللغة ، أو أن ينفي حدث تاريخي أجمع علماء التاريخ على حدوثه ، أو أن يقول مثلا علم الفلسفة ليس علما أصلا ، فإذا ما طولب بالمثل في علم الشرع اتكأ على أريكته وتحدث شيطانه (أنا عقلي يوزن بلد) ، أو أن هذا ليس بعلم أصلا وأسلوبه ليس علميا!! ( عن عن عن ) وخلاص!! وكما أن جهاز الكفتة مثلا قد أثار ضحك أهل التخصص بمجرد السماع به فإن قول مثل هذا الجاهل (والجهل ليس سبة إلا عندما يجهل صاحبه أنه جاهل فيصير جهله مركبا) في علوم الشرع تضحك أهل التخصص بل تضحك من له أدنى ثقافة عامة ومعرفة سطحية بهذه العلوم، فهو لا يدري أصلا كمثال أن هذه العنعنة قد تقبل وقد ترد ولا يدري ماذا وضع العلماء على مدى أربعة عشر قرنا من قواعد وأصول بديعة لتمييز هذه العنعنة ، يتكأ ويقول كمثال آخر هؤلاء يهتمون بالسند فقط ولا ينظرون في المتن!! وهو لا يدري أيضا مدى دقة هذا الاهتمام بالسند وتأثيره في صحة المتن ناهيك عن كونه لا يدري أن شرطين من شروط صحة الحديث الخمسة متعلقة بالمتن مع السند وليس السند فقط.
***
ولكن من أجل المخدوعين المساكين غير المغرضين ولا أصحاب الهوى ، ومن أجل أنفسنا وأولادنا صرت أؤمن أنه لا ينبغي الرد فقط على مثل هذا الهراء بقول (لست من أهل العلم كي تتكلم أو تقيم ، ولست أنا كذلك) ، فهذه وإن كانت عبارة صحيحة أصبحت غير كافية لا سيما في ظل قلة أهل العلم وسكوت بعض هذه القلة وانشغالها بقضايا غير واقعية بالمرة، فسأحاول ويدي في أيديكم أن نحصّل معا شيئا وحدا أدنى من هذه المعرفة في هذه النقطة لعلها تكون بذرة خير لي ولكم..
**
تابعوني.. انصحوني