الجمعة، 6 مايو 2011

تأملات عقلية ،، في قضية كاميليا


تأملات عقلية ،، في قضية كاميليا
معتـز عبد الرحمن

    هذه السطور دعوة للتأمل والمناقشة العقلية لقضية حساسة تعصف بالمجتمع المصري ، الدعوة حصرية لمن يحبون النقاش الهاديء العقلاني بعيدا عن الصياح والصراخ والتعصب.

قضية كاميليا ،، وإنقاذ الثورة
   منذ أسابيع انطلقت حشود الثوار إلى ميادين مصر المختلفة تحت مسمى "جمعة إنقاذ الثورة" ، ولم يحرك هذه الحشود إلا أن أحد أهم مطالب الثورة لم يكن – حينها – قد تحقق بعد، وهو خضوع مسئولي النظام السابق للقانون والمحاسبة ، فتسائلوا لما لم يحاسب الرئيس السابق وأسرته وحاشيته – عزمي والشريف وسرور وغيرهم -  إلى ذلك الحين؟؟ ، وهل لا يزال في مصر من هو فوق القانون؟؟ وصرح المجلس العسكري أن ليس في مصر من هو فوق القانون وبدأت محاكمات كل هؤلاء على الفور ، وانتقلوا إلى بورتو طرة ، منهم من سجن ومنهم من أخلي سبيله ، المهم أننا شعرنا أن جميع المصريين خاضعون للقانون والعدالة ، إذن ففي أي قانون وأي عدالة يحق لمواطن أن يحتجز مواطنا دون وجه حق ، ويخاطب الرأي العام الذي يسأل عن المحتجز قائلا " وأنت مالك؟" ، وإذا زاد الضغط عليه قليلا أصدر شرائط فيديو وصور فوتوغرافية على غرار رسائل تنظيم القاعدة في جبال أفغانستان وبلاد الرافدين ، وكأننا في بلد ليس فيها قانون ونيابة وقنوات رسمية شرعية للتعبير ، لقد توقعت أن يشارك في تظاهرات المطالبة بالإفراج عن كاميليا كافة طوائف المجتمع – بما فيهم النصارى -  لا للإفراج عن مسلمة محتجزة ، ولكن لأن القانون غير مطبق ولأنه لا يزال هناك من هو فوق القانون ، ونحن نعلم جميعا من وضعه فوق القانون ولماذا ، إن الذين خرجوا من أجل إنقاذ الثورة شرفاء حريصون على العدل والمساواة ، والذين خرجوا ينادون بإظهار كاميليا ووفاء شرفاء حريصون على العدل والمساواة.

لماذا تذكروها الآن؟؟
   على غرار القذافي ونظرية الجرذان ، خرج كثير ممن يسمون بنخبة الفكر والثقافة والإعلام يتساءلون لماذا خرج السلفيون من "جحورهم" وتذكروا كاميليا الآن؟ وهذا السؤال بعيدا عما فيه من سوء أدب ، فإن فيه قدرا كبيرا من تضليل الرأي العام ، إذ أن مظاهرات كاميليا بدأت فور حدوث المشكلة في ظل النظام السابق، وإن كنت لا تصدقني فتذكر تصريحات الداخلية بعد حادث القديسين والتي قالت فيها أنها ستعتمد على صور مظاهرات كامليا في تعقب الجناة ، وقد كان ، وكان من ضحايا ذلك التعقب القذر أن قتل سيد بلال – رحمه الله – ذلك الشاب السلفي الذي فقد حياته تحت صعق الكهرباء كي ينتزع منه اعتراف بجرم لم يرتكبه ، بل وعندما نشرت الصورة التعبيرية لذي الوجه المجهول ، انتشر على الانترنت أنها لمحامي شوهدت له صورة وهو مشارك في مظاهرات كاميليا ، وحينها خرج هذا الشاب في وسائل الإعلام ليعلن أنه حي يرزق ، إذن لم يكن السلفيين في جحورهم وإن شئت قل لم يكونوا في عرينهم ، بل خرجوا وطالبوا بما يطالبون به الآن في ظل نظام كان يقمع كل الإسلاميين ، ودفعوا ثمن هذه المطالبة غاليا ، فكيف يتهمون الآن بأنهم عملاء لأمن الدولة يحركهم كجزء من الثورة المضادة؟؟ حقا من البلية ما يضحك.
لماذا السلفيون فقط؟؟
   سؤال استنكاري قرأته لأحد الكتاب يلقبه البعض – لا أدري لماذا؟-  بالكاتب الإسلامي ، ولأنني قلت في بداية خاطرتي أنها ستكون عقلية ، فساعتبره سؤالا استفهاميا وأقول ما يلي ، القرآن الكريم أمر المسلمين جميعا بصلة الأرحام وبر الوالدين ، منهم من نفذ الأمر ومنهم من قصر ولم ينفذه ، فحينها من الذي يوجه إليه الاستفهام ؟؟ الذي نفذ الأمر الإلهي بالصلة والبر؟ أمن ترك الأمر الإلهي وقطع رحمه وعق والديه ؟ إذن فالسلفيون طبقوا الآية رقم 10 في سورة الممتحنة ، فهل نستنكر عليهم أنها طبقوها وحدهم ؟؟ أما نسأل بقية المسلمين لما قصرتم في تطبيقها؟؟  هل نلوم الضباط الشرفاء القلة الذي رفضوا الانسحاب في جمعة الغضب وصمدوا في مواقعهم حتى استشهدوا ؟ أم نلوم الأكثرية التي تركت مواقعها وتسببت في الانفلات الأمني الذي لم ير مثيله في تاريخ مصر ؟

السلفيون وهيبة الدولة
    في أوائل مارس خرجت مظاهرة للسلفيين إلى مجلس الوزراء تتطالب عصام شرف بالكشف عن مصير كاميليا شحاتة ، خرج إليهم الدكتور عصام ووعدهم بحل المشكلة فانفضوا في الحال ، ومر ما يقرب من شهرين ولم يحدث شيء ، فخرجوا في مظاهرة الجمعة الماضية يطلبون نفس الطلب ، فوعدهم الجيش بحل المشكلة فانفضوا على الفور ، وخرج مجموعة من النصارى أمام ماسبيرو بعد حادث أطفيح يطالبون ببناء الكنيسة ، فوعد المشير طنطاوي نفسه ببنائها فلم ينفضوا ، واستضافهم دكتور شرف في بيته ولم ينفضوا ، ونزل إليهم قساوسة يطمأنوهم فلم ينفضوا ، ولم ينفضوا إلا بعدما بدأ البناء بالفعل في الكنيسة وبعدما جف ريق عقلاء الأمة من الطرفين من كثرة التوسل إليهم ، والآن السلفيون هم المتهمون بهز هيبة الدولة ولي ذراعها، وهم المتهمون بالتعصب وعدم التفاهم ، فسبحان  الله العظيم ، أين الانصاف والعدل؟ وأين الحكمة والعقل ؟ وعندما بين الواقع من هو الحريص على استقرار البلاد ومن هو الذي يزعزع استقرارها ، وظهر ذلك في حسن العلاقة بين الجيش وعلماء السلفيين والتعاون الذي يحدث من حين لآخر من أجل الحفاظ على الاستقرار وأمن البلاد ، وعندما لم يستجب الجيش لدعوات الضرب بيد من حديد لهؤلاء الذين يثيرون الفتنة – بزعمهم – خرج علينا مؤخرا من يقول ،، إن كثيرا من قيادات الجيش سلفيون ،، مرة أخرى من البلية ما يضحك.

للتواصل مع الكاتب عبر الفيس بوك

الخميس، 28 أبريل 2011

وقفة احتجاجية ،، من أجل التوريث


وقفة احتجاجية ،، من أجل التوريث
معتـز عبد الرحمن


    هل تذكرون سيناريو التوريث الكئيب؟ هل تذكرون كم شعرنا بالغم عند بداية 2011 لأنها موعد تنفيذ وعد من لا يملك لمن لا يستحق؟ هل تذكرون كما فرحنا بمجرد بداية الثورة لأنها قضت على هذا السيناريو حتى قبل أن يرتفع سقف مطالبها إلى إسقاط النظام ورحيل الرئيس؟ ماذا لو لم تقم الثورة وتم التوريث؟ هل كان الشعب سيغضب ويثور ضده؟ هل تذكرون المظاهرات الفئوية التي بدأت بعد التنحي ولا تزال قائمة؟ هل تعلمون أن بعض مطالب العمال كانت "تعيين أبناء العاملين"؟ هل تعلمون أن هناك شركات هرعت لطمأنة عمالها أنها ستعين أبناءهم خشية ثورتهم؟ ، هل تعبت واختنقت من أسئلتي؟ سامحني ، فإن الأكثر إتعابا وخنقا أن ترى شعبا يثور ضد التوريث ثم يثور من أجله ، أن تجد أن "الكوسة" أصبحت جزءا من ثقافتنا وأخلاقنا وطباعنا وليست أمرا أجبرنا عليه النظام الفاسد ، لم تعد الواسطة وسيلة لجلب الحق من الظالم من باب الضرورات تبيح المحظورات ، بل أصبحت حقا مكتسبا يدعي البعض أنه قانوني ودستوري (1) ، فكما خدم مبارك مصر 60 عاما وقاد الضربة الجوية فاستحق ابنه الذي لا يملك أدنى مقومات الحكم أن يرشح نفسه رئيسا ، فمن حق كل من خدم في مكان – في مقابل أجر وامتيازات كاملة – أن يورث ابنه مكانه بصرف النظر عن كفائته ، ولا عزاء للكفاءات من أبناء الفلاحين والبسطاء وكل من ليس له ظهر.

   بالطبع ليست هذه هي الصورة الوحيدة للواسطة في حياتنا ، ولكني ضربت هذا المثل لأنه يفضح التناقض الذي نعيش فيه ، ولأنه يؤكد نظرية أن إصلاح مباديء ومعتقدات القاعدة الشعبية ضرورة عاجلة كي ننقذ هذا الوطن من براثن الأخطار المحدقة به ، فإذا كان تولية المهام لغير الكفء تعد من علامات الساعة ، فتخيل معي كيف سيكون تأثيرها على مستقبل وطن وليد يحاول النمو والظهور ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة . قال : كيف إضاعتها يا رسول الله ؟ قال : إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)(2) ، وقيل في الأثر إن الله يقيم الدولة العادلة ولو كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة ، وتولية المهام والوظائف لأي اعتبار آخر غير الكفاءة هو عين الظلم ، ظلم للكفء الذي لا يتمتع بهذا الاعتبار فهو ليس قريب فلان ولا جار علان ، وظلم وغش للأمة لأنه يحرمها من التمتع بقدرات أبنائها ويعطل تقدمها ويهدد استقرارها (ما من عبد يسترعيه الله رعية ، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته ، إلا حرم الله عليه الجنة) (3) ، فلن تتقدم أمة انتحر أحد أبنائها ، الشاب عبد الحميد شتا خريج الاقتصاد والعلوم السياسية المتفوق الذي تم رفضه في وظيفة ملحق تجاري لأنه "غير لائق اجتماعيا" ، تم رفضه عقابا له لأنه ابن فلاح ربى ابنه وعلمه حتى تخرج وتفوق ، وإن كنا عرفنا قصة عبد الحميد فقد يكون هناك آلاف إن لم يكن ملايين مثله ، ولا تستبعد أن يكون "بورتو طرة" نتج عن دعوة أحدهم ، ( اتق دعوة المظلوم ، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب )(4).

   في المقال الماضي بدأنا نهدم مدرجات المتفرجين في استاد الإصلاح (5) ، واليوم علينا أن نخرج أنفسنا من قوائم أعداء الإصلاح ، لابد أن تنتهي الواسطة من حياتنا، من الوظائف والخدمات والتراخيص بل إن المستشفيات والمرضى أنفسهم لم يسلموا من التفرقة في المعاملة بحسب التوصية التي يحملها المريض ، فقد تفشت "الكوسة" في بلادنا حتى قالوا عنها إن النيل لو تحول لـ"صلصة" فلن يكفيها ، كلنا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وندعي اتباعه ، ولو نظرنا في سيرته صلى الله عليه وسلم وكيف كان يختار قواده وموظفيه ومندوبيه لتعلمنا كيف تتقدم الدول ، ولعلمنا لماذا تأخرنا ، فقاعدة اختيار الأصلح هي التي وضعت خالد بن الوليد قائدا لجيش من المسلمين فيهم من أسلم قبله بعشرين سنة ، وهي التي وضعت أسامة بن زيد ابن الثمانية عشر عاما قائدا على جيش فيه أبو بكر وعمر ، هي التي جعلت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي بالخلافة ضمنا إلى أبي بكر وليس لأحد أقاربه كزوج ابنته مثلا ، فلنسير على خير الهدي ، هدي محمد صلى الله عليه وسلم ،  إن كنت مسئولا فاتق الله في اختيار العاملين ، واتق الله في قضاء مصالح الناس ، ولا تقدم أحدا على أحد بغير وجه حق ، لا تسمح لأحد بتخطي دوره ولا تعطي أحدا حقا ليس من حقه وإن كان أخاك بل وإن كان والدك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)(6) ، أما إذا كنت صاحب الحاجة فاتق الله ولا تأخذ غير حقك ، ولا تقفز على أكتاف الآخرين بمعارفك وسلطتك ، ولا تعرض نفسك لعذاب الآخرة من أجل متاع الدنيا ، والمحسوبية تضرك أكثر ما تنفعك فهي تدفعك للتقاعس وعدم تطوير الذات لظنك أنك غير محتاج إلى ذلك ، وكما رأيت ملك عشرات السنين يضيع في أيام ، فإذا استيقظت يوما لم تجد واسطتك ، وقد أهملت تطوير نفسك وكفائتك ، فعلى مستقبلك السلام ، فليس الفتى من يقول كان أبي ولكن الفتى من يقول ها أنا ذا..
-------------------------------------------------------------
(1)   وهذا باطل ، وقد راجعت أهل القانون وأكدوا لي أنه غير قانوني ومخالف للدستور ولو وجد في لائحة خاصة لأي شركة ورفع الأمر للقضاء في أي نزاع سيحال الأمر للمحكمة الدستورية والتي تقضي ببطلان اللائحة.
(2)   رواه البخاري
(3)   رواه مسلم
(4)   رواه البخاري
(6)   سورة النساء ، الآية 135
للتواصل مع الكاتب عبر الفيس بوك

السبت، 23 أبريل 2011

هدم المدرجات ،، في استـاد الإصلاح


هدم المدرجات ،، في استـاد الإصلاح
معتـز عبد الرحمن


    لم تخل العقود الأخيرة المظلمة من عمر مصر من شرفاء ومخلصين ، لم تخل من رجال ونساء رفضوا الانقياد للتيار والتأثر بفساد المجتمع والسلطة ، وصفهم البعض بأنهم أغبياء وحنبليون ويسبحون ضد التيار وأنهم لا يفهمون الدنيا ولا يعلمون من أين تؤكل الكتف ، وفي نفس الحين كان عموم الناس والبسطاء ينظرون إليهم نظرة إجلال واحترام ، نظرة ذهول من رأى الشمس في منتصف الليل ، يمدحونهم ويصفونهم بأفضل الأوصاف ، دون أن يحاول الواصف التحلي بأي من هذه الأوصاف ، يتمنون لهم التوفيق والنصر دون أن يحاولوا المساهمة أو الدعم ، يمنحونهم أوسمة مكافحة الفساد دون أن يتخلوا هم عن دورهم الظاهر في دعم الفساد والسكوت عليه ، وكأن الالتزام والإصلاح ومكافحة الفساد فرض على هؤلاء الشرفاء دون غيرهم ، وكأن الله كلفهم وحدهم بإقامة الحق ودفع الظلم ، وكأنهم هم وحدهم العدائين في مضمار الإصلاح ، وسائر المجتمع جمهور يشجع ويصرخ ويصفق ، ملقيا زجاجات السلبية وحجارة الخوف تحت أقدام الأبطال ، ثم يتساءل في استديو التحليل ، لماذا خسر الأبطال سباق الثمانين مليون ميل؟؟  
  
 هدم مدرجات المتفرجين في مضمار الإصلاح هو الواجب الأول والخطوة الأهم على الطريق (1)، ينبغي أن يستشعر كل منا أن مسئوليته فردية وفورية ، وأنه بمجرد معرفته للحق وجب عليه اتباعه وتنفيذه وإن لم يطبقه غيره ، ولقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم نموذجا فريدا في هذا الأمر ، فما إن نزلت آية تحريم الخمر ، حتى جرت الخمر أنهارا في شوارع المدينة ، ولم يكمل أيا منهم الكأس الذي كان في يده ، ولما سمع حنظلة بن أبي عامر نداء الجهاد يوم عرسه وهو جُنب ترك زوجته وخرج يقاتل حتى استشهد وقال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم (إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر، بين السماء و الأرض، بماء المزن، في صحاف الفضة)(2) ، ولم يكن هذا تطوعا منهم إلا أنهم فهموا قول الله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا )(3) ينبغي ألا نؤجل تطبيق الحق وألا نكتفي بالتصفيق للمصلحين ، فإنني أتعجب كثيرا ممن يشتكي من اختلاف العلماء في مسائل الفروع ، وهو لا يطبق الأصول المتفق عليها أساسا ، كالمرتشي أو الظالم لنفسه وأسرته ومرؤسيه الذي يصرف جهده في السؤال عن وضع اليد بعد القيام من الركوع ، فمعرفة الحق من الباطل نعمة ولكنها في نفس الوقت مسئولية وحمل ثقيل فإنه (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : منها : وعن علمه ماذا عمل به ؟)(4) ، فهذه هي البداية السليمة والطريق القويم والتطبيق الحقيقي للآية التي لم نعد نستشعر معانيها من كثرة ترديدنا لها دون تفكر وتدبر (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ)(5)
  
وأخيرا فكما احتاج إسقاط الرأس لتضحيات ودماء ، فإصلاح القاعدة أيضا يحتاج لمجهود وصبر وسهر ، فالبناء أصعب من الهدم ، وتغيير الطبائع والسلوكيات والمعتقدات الخاطئة أصعب من تحريك الجبال الرواسي ، كما أن أعداء الخارج وأعوانهم في الداخل لن يتركوك تتقدم وتكبر في هدوء ، لذا علمنا ربنا أن الإصلاح والبناء يجب أن يكون خالصا لوجهه ، لا من أجل انتظار النتائج والاستفادة منها ، لأن النتائج قد تتأخر عقود وعقود ، وقد نراها في آخر حياتنا أو يراها أبناؤنا وأحفادنا ، علمنا الله ذلك على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها)(6) فهذه فسيلة لن يأكل من ثمرها أحد ، ولكنه البناء لوجه الله دون النظر للنتائج ، ومن العجيب أن المبشر بالجنة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الذي عاش حتى رأى النصر والتمكين للإسلام والمسلمين ،كان يحسد من ماتوا في الطريق قبل أن يروا نتائج جهودهم ، ففي صحيح البخاري (أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أٌتي بطعام ، وكان صائما ، فقال : قتل مصعب بن عمير ، وهو خير مني ، كفن في بردة : إن غطي رأسه بدت رجلاه ، وإن غطي رجلاه بدا رأسه . وأراه قال : وقتل حمزة ، وهو خير مني ، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط ، أو قال : أعطينا من الدنيا ما أعطينا ، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا ، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام .)  فجدد نيتك واجعلها خالصة لله ، وابدأ في العمل واثبت على الحق ولا تحبط من كثرة الفساد (قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )(7)
-------------------------------------------------------------
(2)   صحيح ، الجامع الصغير للسيوطي
(3)   سورة الأحزاب ، الآية 36
(4)   صحيح الترغيب، الألباني
(5)   سورة الرعد ، الآية(11)
(6)   صححه الألباني
(7)   سورة المائدة،الآية(100)
للتواصل مع الكاتب عبر الفيس بوك

الجمعة، 15 أبريل 2011

سقوط الرأس وتنظيم القاعدة


سقوط الرأس وتنظيم القاعدة
معتـز عبد الرحمن

    على مدار سنوات طوال ظل الجدل الفلسفي قائما بين دعاة الإصلاح ، إذ ظلوا دوما مختلفين فيما إذا كان الإصلاح ينبغي أن يبدأ من الرأس أم من القاعدة ، ففريق يرى أن الحاكم الصالح هو الطريق لإصلاح المجتمع ، وآخر يرى أن إصلاح المجتمع هو الطريق نحو الحاكم الصالح ، وبصرف النظر عن أي الرأيين أصوب ، نحن الآن أمام أمر واقع ، فقد قامت الثورة وسقط النظام ، وبدأنا مرحلة جديدة نواجه فيها تحديات كبيرة ، سنعتمد فيها على الله أولا ثم على سواعد الشعب المصري ، الشعب الذي علينا أن نعترف أنه تأثر كثيرا بفساد النظام السابق ، فالرأس كان فاسدا وضاغطا مما أدى إلى تغلغل فساده في القاعدة الشعبية ، ومع مرور الزمن ومع عوامل مساعدة صنعها النظام مثل الجهل والأمية والسلبية والإعلام المضلل تأثرت أخلاق المجتمع وطباعه ومبادئه التي يعيش بها ويربي أبناءه عليها ، وإن لم نشرع الآن وبسرعة في إصلاح وتنظيم هذه القاعدة سنخسر كل مكتسبات ثورتنا ، وستنبت هذه القاعدة رأسا فاسدة من جديد ، بل وربما تضجر وتثور إن رزقها الله بحكام صالحين مخلصين ، فقد رأينا بأنفسنا أناسا حزنوا عندما تولى الدكتور عصام شرف رئاسة الوزراء لأن في وجهة نظرهم أنه "طيب ومحترم" وأننا نحتاج لـ "بلطجي عشان يعرف يسلك معانا" على حد تعبير القائل.

    السطور السابقة تفسر لنا باختصار ما نراه الآن في مجتمعنا من مشاهد محزنة ومحبطة ، من استمرار ثقافة ما قبل 25 يناير في إذهان وتصرفات الكثير من المصريين ، فمن المصريين من لا يزال يخالف قواعد المرور طالما أن الشرطي غائب أو حتى موجود لكن "مكسور" من أثر الأحداث ، ومنهم من لا يزال يخاف من قول الحق لا عند سلطان جائر ولكن عند كل من يعلوه في المنصب ولو بدرجة واحدة ، لا يزال منهم من يبرر الأخطاء لنفسه ولا يريد الاعتراف بها ، لا يزال منهم من يبرر أخطاء من يخشاهم ويتلمس لهم الأمجاد – على غرار نظرية الضربة الجوية – حتى لا يضطر لمواجهتهم خوفا على الرزق الذي كفله الله له ، لا يزال منهم من يخترع الإشاعات ويصدق الإعلام المدلس ، بل ومما يثير العجب أن بعض من يقع في هذه السلبيات ويغرقون فيها أناس شاركوا في الثورة وواجهوا الموت وكادوا يضحون بحياتهم لأجل الإصلاح ، مما يدل على أن مواجهة الأمن المركزي والرصاص الحي والجمال والخيول أيسر كثيرا من مواجهة النفس المليئة بالسلبيات ، ومن مواجهة الموروث الثقافي والنفسي والاجتماعي السيء الذي جنيناه على مدار العقود الماضية، فمقولة (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) رغم أنها ليست حديثا صحيحا ولكن معناها واقعي وقوي ، وعلى المصريين جميعا أن يهبوا لمعركتهم الحقيقية ، فمحاربة العادات التي تربيت عليها وتقديم الحق والصواب على أهوائك ورغباتك ومصالحك معركة شرسة وصعبة وتحتاج لإخلاص واستعانة بالله وتكاتف وتناصح وجهد طويل.

    ختاما أدعو نفسي وإياكم لثورة ضد أنفسنا وسلبياتها ، وضد خوفنا وضد نظرية "وجدنا آباءنا على أمة" ،ثورة لا هتافات فيها ولا اعتصامات ، ولكن صدق ومصارحة وعمل جاد ، وسأسعى بإذن الله تعالى أن تكون خاطرتي هذه بداية لسلسلة من المقالات تتناول بنوع من التفصيل أنواعا من السلبيات ومن القضايا التي يجب علينا التكاتف لحلها ، وسأعتمد فيها على الله سبحانه وتعالى أولا ثم على آراء وتعليقات القراء ، ابدأ معي بالتفكير وبإعداد قوائم العار لا لأشخاص عارضوا الثورة يوما ما ، ولكن قوائم العار لصفات وأفعال وسلوكيات تخالف ما قامت الثورة من أجله ، بل وتمثل ثورة مضادة حقيقية تهدد مستقبل مصر المأمول ومستقبل شعبها الواعد.

للتواصل مع الكاتب عبر الفيس بوك

الثورة ،، والكذب الحلال


الثورة ،، والكذب الحلال
معتـز عبد الرحمن


    لقد لعب الإعلام دورا خطيرا في خلال ثورة يناير ، فلا ينكر أحد دور قناة الجزيرة – على ما شابه من شوائب – في استمرارية الثورة وتأجيجها بإذاعة فيديوهات الاشتباكات بين الأمن المركزي والمتظاهرين ، واستضافتها للثوار ونقلها لأحداث التحرير أولا بأول ، كما لا ينكر أحد دور الإعلام المصري الرسمي وجزء كبير من الإعلام الخاص سواء كان مرئيا أو مقروئا في تشويه الثورة وتعطيل مسيرتها ، الشيء الذي أدى لظهور قوائم العار بعد نجاح الثورة والتي شملت الكثير من الكتاب والإعلاميين الكذابين ، بل ولم تهدأ ثائرة الثوار حتى تم تغيير قيادات كل الصحف والمجلات القومية ، تلك القيادات التي كذبت كثيرا على قرائها على مدى تاريخها وليس فقط خلال الثورة.
   في عدد يوم الخميس 7 إبريل وفي صفحتها الأولى نشرت روز اليوسف خبرا تحت عنوان "وجدي غنيم يحرض على الأقباط والكنائس" ملخص الخبر أن الداعية وجدي غنيم أعتلى منبر أحد المساجد في القليوبية يوم الثلاثاء وظل على المنبر ثلاث ساعات متواصلة يحرض على الأقباط والكنائس ، للوهلة الأولى قد تظن أن مشكلة الخبر في أن أهل القليوبية قرروا أن يقيموا صلاة الجمعة يوم الثلاثاء ، ولكن المشكلة الحقيقية أن وجدي غنيم منفي من مصر منذ حوالي عشر سنوات ولم يعد إليها مطلقا من بعد قرار نفيه حتى أنه لم يستطع حضور جنازة والدته ، روز اليوسف – ذات الإدارة الجديدة التي أتت بها الثورة – لا تزال تكذب وتستغفل قراءها ، روز اليوسف لا تزال تكذب ولا يحاسبها أحد ، كما حدث بالضبط في عامة الصحف القومية والخاصة من نشر أخبار كاذبة عن قطع السلفيين أذن مواطن مسيحي في قنا كنوع من إقامة الحد عليه لامتلاكه شققا مشبوهة – وهو الحد اللي مسمعش عنه حد – ورغم أن الشيخ محمد خليل رئيس لجنة المصالحة نفى ذلك تماما وبين أن الاحتكاك كان بين عامة أهل القرية مسلمين ومسيحيين من جهة وهذا المواطن من جهة وأن أذنه قطعت أثناء الاشتباك بالأسلحة البيضاء ، إلا أنه لم يلم أحد الكذابين الذي اختلقوا الخبر ، وفي نفس الشأن عندما برأت النيابة "البعبع الجديد" من هدم الأضرحة في القليوبية وبرأتهم الطرق الصوفية نفسها من هدم الأضرحة في المنوفية لم نسمع كلمة لوم واحدة لكتاب هذه الأخبار ، ولم نسمع عن حملات مقاطعة للكذابين كما حدث مع الأهرام قبل تغيير قياداتها ، بل ولم نقرأ اعتذار ممن يسمون بـ"النخبة" والذين يتلقبون بالخبراء والباحثين والذين يتكلمون الآن بصفتهم الثورية  بعدما أمطرونا بسيول من المقالات والتصريحات والحلقات معتمدين على هذه الأخبار التي لم يكن ليفوت على من هم في مكانتهم وثقافتهم أنها كاذبة وملفقة ، ماذا سيحدث لو كانت هذه الأخبار كتبت في حق معتصمي التحرير قبل شهرين ؟؟ هل كانت ستمر ؟؟ هل الكذب في حق معتصمي التحرير والثورة حرام وفي حق طائفة أخرى من أبناء الشعب المصري حلال ؟؟ هل كل ما اكتسبناه من الثورة هو تغيير لقب البطة البيضاء للثورة والثوار بدلا من الحزب الوطني؟؟ مع الاحتفاظ بلقب البطة السوداء لكل من اعتقد يوما أن الإسلام أكبر من أن يختزل في الصلاة والصيام والحج؟؟ هل هذه هي العدالة الاجتماعية التي نادت بها الثورة ؟؟
إن خيانة مباديء الثورة والكيل بمكيالين في تطبيقها أخطر عليها من الثورة المضادة بمراحل ، فأفيقوا أيها الناس واتقوا الله في أقلامكم وقنواتكم وأخباركم ونقلكم ، واتقوا الله في أبناء شعبكم ، فالثورة لم تأت لتستبدل ظالمين بظالمين ، والثورة لم تأت لتدافع عن بعض فئات الشعب وتتخلى عن آخرين ،، والسؤال الأخير لكافة الشعب المصري ،، هل ستظل تصدق كل ما تكتبه الصحف وتذيعه برامج التوك شو دون تحقق وتعقل ؟؟  هل ستظل تصدق من كذبوا عليك سنين ؟؟ هل ستعيش مخدوعا أبد الآبدين؟؟ الإجابة لك ، ولكن صدقني أنت شعب أكبر وأوعى وأذكى من ذلك.

للتواصل مع الكاتب عبر الفيس بوك

الأربعاء، 30 مارس 2011

مش هبيـــع البيـــــت

مش هبيـــع البيـــــت
معتـز عبد الرحمن

    جائتني قصة على بريدي الألكتروني منذ فترة طويلة مفادها أن رجلا أراد أن يبيع بيته ليشتري البيت الذي يحلم به ، فأرسل إلى صديقه الحميم الذي يعمل في مجال الإعلانات وطلب منه أن يكتب إعلانا يعرض فيه البيت للبيع ، فنفذ الصديق الطلب وكتب وصفا أمينا للبيت الذي يعرفه جيدا بحكم الصداقة وكثرة الزيارات ، منزل واسع ذو حمام سباحة وحديقة جميلة يطل على البحر من فوق ربوة عالية ، قريب من كل المرافق الخدمية والمولات .... إلخ ، قرأ صاحب البيت الإعلان في الصحيفة فوجد أن هذا هو البيت الذي يحلم به وزيادة ولكنه لم يكن يشعر بقيمته ، فاتصل بصديقه وطلب منه إلغاء الإعلان لأنه لن يبيع البيت.
     تذكرت هذه القصة بعد انتهاء الثورة – أو بمعنى أدق بعد تنحي الرئيس – عندما بدأت الجماهير المصرية تتطلع لتحقيق أحلامها ومطالبها التي ثارت من أجلها ، أحلام العدالة والمساواة والكرامة ، أحلام العيش الكريم والتحضر والرقي ، عندما بدأت تطالب بالقضاء على الفساد ومحاسبة الفاسدين ، وإعدام السفاحين الذي سفكوا دماء الشهداء الزكية البريئة ، تذكرتها عندما شاهدت الارتياح الذي قوبل به تشديد عقوبة البلطجة والترويع اللذين يؤديان للوفاة إلى الإعدام ، بل وتذكرتها عندما ارتفعت الأصوات المطالبة بإلغاء نسبة الـ 50% عمال وفلاحين من مجلس الشعب حتى يكون مصير الوطن في أيدي أهل العلم والتخصص والخبرة ، تذكرتها ومازلت أتذكرها مع كل موقف حتى أني لم أعد أستطيع نسيانها ، فهذا الشعب وهؤلاء الثوار الكرام ذوي المطالب الشريفة مصرون على بيع البيت الذي يحوي كل أحلامهم ، شبه مجمعين على رفض المنهج الذي يضمن مطالبهم ، يحاربون تطبيق النظام الذي يؤمن مستقبلهم ومستقبل وطنهم ، يرفضون الشريعة التي من مبادئها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (1)  والتي من مبادئها ( أما بعد ، فإنما أهلك الناس قبلكم : أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، والذي نفس محمد بيده ، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) (2) ،إن الذي تظاهروا أمام المحكمة يطالبون بإعدام السفاح قاتل المتظاهرين الأبرياء إنما كان طلبهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) (3) ، وقرار تشديد عقوبة ترويع الآمنين وقتلهم لم يكن سوى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (4) ، ومطلب إلغاء نسبة العمال والفلاحين إنما هو من الفروق بين الشورى في الإسلام وبين الديموقراطية ، إذ أن الإسلام يشترط في أهل الشورى والحل والعقد أن يكونوا أهل علم وخبرة وتخصص وليس فقط شعبية وأموال وعائلة حتى تكون قرارتهم مدروسة وصادرة عن علم وبينة (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا ) (5) وأولي الأمر هنا هم أهل العلم والرأي والعقل والرزانة (6) ، بل والذين يتشدقون بحقوق "الآخر" كأنهم يطلبون  (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (7)

   كل ما ذكرت هو نقطة في محيط ، وكل ما ذكرت يدل أن الناس يهربون مما يريدون ، ويحاربون ما يتمنون ، فالجحود الذي يلاقيه الإسلام من أبنائه الآن ليس مثله جحود ، يبرره البعض بأنه بسبب جهل المسلمين بدينهم وتصديقهم لحملات الإعلام على مدى عشرات السنين ، وفي الحقيقة هذا عذر أقبح من ذنب ، فمعرفة المسلم لأصول دينه واجبة عليه ، فكيف يجهل المرء الدين الذي يعتنقه والذي سيحدد مصيره يوم القيامة ، وكيف يدعي إنسان حب الدين وتوقيره وهو يكره أحكامه وتشريعه مما يجعله في خطر عظيم (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) (8) ، وكيف يعتقد المسلم في عظمة الله وجلاله وعلمه وحكمته ، وأنه هو الذي خلق والذي رزق والذي يعلم طبيعة خلقه وما يصلحهم ، وفي نفس الوقت يرى أن المصلحة في تطبيق أحكام غيره (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (9) ، إذن علينا أن نتوقف قليلا ، لنفتش في بيتنا ونعرفه قبل أن نطالب ببيعه وتركه ، نعرف ديننا العظيم قبل أن نجحده بل وقبل أن نهاجمه أحيانا ، وهذه مسئولية فردية لكل مسلم ، لا تقل أن على العلماء أن يعرفوا الناس بالدين ، وأن عليهم كذا كذا ، بل علينا جميعا أن نتعلم ونعرف وننشر المعرفة كي نعود لبيتنا الجميل بعد عشرات السنين التي قضيناها في مخيمات اللاجئين.
------------------------------------------------
(1)   سورة النساء (135)
(2)   صحيح البخاري 4304
(3)   سورة البقرة (178)
(4)   سورة المائدة (33)
(5)   سورة النساء (83)
(6)   تفسير الطبري وتفسير السعدي
(7)   سورة الممتحنة (8)
(8)   سورة محمد (9)
(9)   سورة المائدة (50)
للتواصل مع الكاتب عبر الفيس بوك
 

الثلاثاء، 22 مارس 2011

عبود ويعقوب ،، والماء العكر

دعوة للوضوح
عبود ويعقوب ،، والماء العكر
معتـز عبد الرحمن


     بهرتني التعليقات التي تلقيتها بعد مقالة "لن أعيش في فزاعة أحد" وهي مقالة – لمن لم يقرأها – انتهيت فيها إلى هدف واحد ، أن على كل مسلم أن يعرف دينه ويتعلمه كي يستطيع أن يعرف الحق من الباطل ويفرق بين ما هو دين بحق وما هو مدسوس على الدين ، مصدر الإبهار من التعليقات على المقالة – التي نشرت قدرا بعد يوم واحد من استضافة برامج التوك شو لعبود الزمر – أن المعلقين تركوا كل ما قلت فيها واكتفوا بتعليق واحد هو أن من حق الناس أن تخاف من الدين طالما أن هناك أمثال عبود الزمر يتحدثون باسمه ، ورغم أن هذا التعليق يدل على عدم فهم المعلقين لمقالتي إلا أنني سألت نفسي سؤالا احترت في إجابته هو ماذا لو كنت نشرت المقال مبكرا يوما واحدا ، هل كان سيسلم من التعليقات ؟؟ أم كنت سأتلقى تعليقا أن من حق الناس أن تخاف من الدين طالما أن هناك أمثال كرم زهدي وناجح إبراهيم؟؟ وماذا لوكنت نشرته قبل أن يظهرا في التوك شو ؟ هل كان سيسلم من التعليقات ؟ ما أراه أنه لم يكن ليسلم حتى لو كنت نشرته منذ تسعين عاما، وسبب هذه الرؤية يظهر في السطور القادمة.

    فور نشر الفيديو الشهير "غزوة الصناديق" على الانترنت فوجئت بفرح شديد ينتاب بعض من يتبنون الفكر العلماني ، حتى أن بعضهم أخذ ينشره في "بروفايلات" المعروفين بالتدين على الفيسبوك مصاحبا بتعبيرات الفرحة والشماتة على طريقة (حبيبك يبلع لك الزلط وعدوك يتمنالك الغلط) فهؤلاء الذين بلعوا زلط د. يحيى الجمل عندما أساء للذات الإلهية في حلقته في مصر النهاردة وصمتوا عنها رغم أنها تستحق التوقف والتدقيق والمحاسبة ، والذين بلعوا زلط الكنيسة التي وجهت كل أبنائها للتصويت ب (لا) والذي يعتبر أيضا إقحاما للدين في السياسة وتحويل الاستفتاء لقضية دينية، وأن ال(نعم) في صالح المسلمين وال(لا) في صالح المسيحيين، والذين بلعوا زلط من وصفوا الموافقين على التعديلات بأنهم خانوا دماء الشهداء ، من بلعوا كل هذا الزلط اقتنصوا خطأ الشيخ محمد حسين يعقوب – وهو خطأ فادح بلا شك وأغضبني بشدة – ليعيدوا الكرة ويستمروا في خلط الأوراق ، ويستخدموا أخطاء الأشخاص في ضرب الأصول ، ولو صدقوا لكان عليهم أن يهاجموا الديموقراطية ويلفظوها إذ أن النظام السابق كان من الحزب الوطني " الديموقراطي" وكانوا يتشدقون بالحرية والديموقراطية التي يعيش فيها الشعب المصري في ظل حكمهم الرشيد ، أو أن يهاجموا المسيحية بعد أن أعلن جورج بوش الأبن حربا "صليبية" على البلاد الإسلامية ، فإذا قلت لي أن الديموقراطية والمسيحية منهم بريئة ولا يجوز أن نحاسبها بأخطاء مدعيها ،، فأقول والإسلام أولى ألا يهاجم ويجنب إذا أخطأ بعض أبنائه.

    وهنا أدعو نفسي والجميع لاتخاذ موقف واضح من هذه القضية التي لم تعد تحتمل مزيدا من التنظير والنقاشات الفلسفية ، ولم تعد تحتمل مزيدا من التفاهات والسفاهات والنكات التي بدأت تفوق النكات التي تقال على القذافي ، حدد مشكلتك واطرح مخاوفك ، إذا كانت المشكلة ليست مع الدين ولكن مع مطبقيه ، فهذا أمر يسير ، نحِّي كل هؤلاء جانبا (إخوانا وسلفيين وتبليغ وجهاديين و....) ولندعو لتشكيل لجنة كبيرة من العلماء الأجلاء المشهود لهم بالعلم والأمانة وعدم النفاق وأنهم لا يخافون في الله لومة لائم ، أزهريين وغير أزهريين بل مصريين وغير مصريين ، وليشرحوا لنا الإسلام الصحيح النابع من القرآن والسنة والبعيد عن التطرف والتسيب والأهواء الشخصية وليناظروا هؤلاء المدعين في مناظرات علنية ليظهر حقهم من باطلهم ، ثم هيا نطبق هذا "الإسلام الصحيح" الذي هو دين الله الكامل ، والمنهج العادل والذي نشأت في أحضانه دولة عظمى خلدها التاريخ ، أما إذا كانت المشكلة مع الدين نفسه من حيث كونه دينا ، فأرجوك كن واضحا وقل لا أريد دينا وأرحنا وأرح نفسك ، بدلا من أن تتفرغ لاصطياد الأخطاء ، بل وتألفيها في بعض الأحيان لتلصقها بالدين الذي تعلم جيدا أنه بريء منها ، وبدلا من أن تقضي عمرك في تخويف الناس من دينهم عبر تشويه صورة المتدينين واستغلال أخطائهم والاصطياد في الماء العكر، كن واضحا فالوضوح هو أهم ما نحتاج في هذه المرحلة الدقيقة ، أما أن تقف على السلم خوفا من أن ترفض الدين علانية فتخسر دعم عوام المسلمين وخواصهم ، وخوفا من أن تسكت فتأتي الديموقراطية - التي لا تكف عن الدفاع عنها - بالدولة الإسلامية التي تخالف أفكارك ومعتقداتك ، أن تقف على السلم تنادي بالديموقراطية والحرية وفي نفس الوقت تعطي نفسك الحق في حرمان فئة من المصريين منها ، فهذا أقل ما أستطيع ان أصفه به هو أنه تضليل وفرض وصاية وديكتاتورية لا تختلف كثيرا عن ديكتاتورية مبارك وزين العابدين والقذافي.

للتواصل مع الكاتب عبر الفيس بوك
مدونة الكاتب