الثلاثاء، 20 سبتمبر 2011

كبش العلمانية وليبرالية الضباب



كبش العلمانية وليبرالية الضباب
معتـز عبد الرحمن


       بداية وقبل أن يتهمني أحد بالتناقض ، فكل ما سأطرحه في هذا المقال لا يتعارض مع دعوتي التي أطلقتها - ولازلت أتبناها - في مقال (الإسلاميون والليبراليون ، تعالوا إلى كلمة سواء) ، فليس هدفي من هذا الطرح شق الصف وتوسعة الصدع ولكن هدفي تفعيل نقطة هامة من الكلمة السواء التي أشرت إليها وهي الوضوح والصراحة والأمانة التي سيكون لها دور بلا شك في مرور هذه المرحلة الحرجة من عمر الوطن بسلام إن شاء الله ، ليس فقط لأنها ستساعد الشعب المصري ليختار المستقبل الذي يريد بشفافية وبصيرة ولكن لأنه في وجهة نظري أن قدر كبير من الخلافات الموجودة حاليا غير حقيقي ، ونابع من الغموض والقلق والشك المسيطرين على الساحة الفكرية والسياسية في الوقت الراهن.
أتابع عن كثب وباهتمام شديد النشاط التعريفي والتوعوي الذي يقوم به شباب التيارات المختلفة على الانترنت ، فالثورة قد أثبتت مدى احتياجنا لمثل هذه الأنشطة التعريفية بعد أن ثبت أننا بالرغم من كوننا نعيش جميعا على أرض واحدة وتحت سماء واحدة منذ سنين إلا أن معرفة كل منا بأفكار ومعتقدات الآخر محدودة جدا إن لم تكن مغلوطة تماما، ليس هذا وحسب ، بل وثبت أن معرفة بعضنا بالفكر والمنهج الذي يؤمن هو نفسه به أيضا محدودة وسطحية ومشوشة، وعلى قدر ملاحظتي فقد شهدت الفترة الماضية نشاطا كبيرا- لاسيما على الانترنت-  من الشباب الليبرالي للتعريف بالليبرالية وإزالة الشبهات المطروحة حولها والتأكيد على كونها لا تتعارض مع الإسلام ولا عادات المجتمع في شيء ، ولاحظت أن معظم هذه المقالات والمشاركات بل والتعليقات تتفق في صفتين وخصيصتين رئيسيتين:
أولا: التبرؤ من العلمانية ، ووضعها في قفص الاتهام ، فهي التي تعارض الدين وليست الليبرالية ، وهي التي تفصل الدين عن الحياة وليست الليبرالية ، وأن الذين يعارضون الليبرالية مساكين ومغيبين لا يفهمون الفارق بين العلمانية الشريرة المعارضة للدين وبين الليبرالية التي لا تعارض الإسلام مطلقا ، بل إنني عندما كتبت مقال (الليبراليون ومراجعات ليلة الامتحان) والذي رصدت فيه جانب من تناقضات الشخصيات الليبرالية المعروفة مثل الدكتور عمرو حمزاوي ، جاءني رد من أحد أصدقائي الليبراليين الذين اعتز بهم كثيرا يعترض فيه على وصفي للدكتور حمزاوي بالليبرالي ، فهو على حد وصفه علماني وليس ليبراليا ولا ينبغي أن أحاسب الليبراليين والليبرالية على تصريحاته وأفكاره ، فلا أدري كيف تحولت العلمانية فجأة إلى "بعبع" عند كل التيارات بعدما كانت "بعبع" الإسلاميين وحدهم ، وبعد أن كنا نرى كثير من الكتاب والنخبة يفتخرون بعلمانيتهم دوما خاصة قبل الثورة ، بل إن الدكتور محمد البرادعي – الذي أجله وأقدره كثيرا – لم ينزعج ولم يعترض من وصف إبراهيم عيسى له بأنه (علماني مخلص للعلمانية) ، ما الذي حدث بعدما كنا نسمع عن العلمانية ما نسمعه عن الليبرالية اليوم بأنها هي الأخرى لا تعارض الدين ولا تنتقص من قدره؟ وإذا كان الليبراليون يدركون بالفعل أن العلمانية معارضة للدين ، ولابد أن يفصل بينها وبين الليبرالية حتى لا تشوهها ، لماذا فرح كثير منهم بتصريحات أردوغان عن العلمانية؟ فمن المفترض أن الشباب الليبرالي تبعا لهذه التعريفات يرفضون العلمانية كالإسلاميين تماما ، وكان من المفترض أن ينزعجوا من تصريحات أردوغان كما انزعج الإسلاميون تماما ، فهل فعلا الليبرالية بريئة من العلمانية؟ أم أنها اختارت الوصول للناس على جثة العلمانية وعبر الهجوم عليها؟
ثانيا: تعريفات بلا حدود ، المعتاد لأي إنسان أنه يقرأ ويتعلم ويعرف أولا عن المناهج المختلفة ثم يختار ما يقتنع به ويوافقه وينتسب إليه ، إلا أنه فيما يبدو أن للشباب الليبرالي شأن آخر ، فأنا استشعر مما أقرأ أن كثير من هؤلاء الشباب اختاروا مسمى الليبرالية أولا وانتسبوا إليه ، ثم بدأ كل منهم بعد ذلك في تعريفه بالصورة التي يحبها ، فتعريفات الليبرالية التي قرأتها حتى الآن غير محدودة ولا محددة ، فبين من يعرفها بتعريف لا يختلف كثيرا عن تعريف العلمانية الفاصلة للدين عن الحياة ، وبين من يعرفها بتعريف بسيط جدا بأنها تنظم شئون الحياة في الأمور التي لم يرد فيها نص ولا إلزام شرعي وكأنها تغطي فقط مساحة (أنتم أعلم بشئون دنياكم) ، وبين من يعرفها بأنها المنظم للعلاقة بين الدين والسياسة ، وبين وبين وبين ، فإذا احترت وأردت أن تذهب لمن اخترعوا المصطلح لتعلم ما يقصدون به قطعوا عليك الطريق بقولهم أننا لا نريد أن نطبق الليبرالية الغربية في مصر ، إذن فاطرحوا المصطلح جانبا وأخبرونا من أنتم؟ أخبرونا إلى متى سيستمر هذا الضباب وهذه المراوغة؟ أخبروني من أصدق وأي ليبرالية أتبع؟ هل أصدق الدكتور حمزاوي عندما يقول أنه ليبرالي أم أصدق من يقولون عنه علماني؟ إن منكم من يتهكم ويتساءل دوما أي إسلام تريدون تطبيقه ، إسلام آل سعود أم طالبان أم الإخوان أم السلفيين؟ ويظن أنه بذلك حقق انتصارا وقدم حجة  بليغة على عدم عملية تطبيق الإسلام  ، والرد على ذلك بسيط للغاية وهو أننا نريد إسلام محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، فللإسلام مرجعية حفظها الله بحفظه ستظل حاكمة نستطيع أن نعود إليها ونرى من يطبق الإسلام حقيقة ومن يدعي تطبيق الإسلام ، وهي التي جعلتنا الآن ننتقد بمنتهى الوضوح والقوة بلدا مثل السعودية بسبب تطبيقها المنقوص للشريعة ، أما أنتم فإلى أي مرجع نعود لنعرف من منكم يدعو لليبرالية الصحيحة المحترمة التي لا تعارض الإسلام ، ومن منكم غير ذلك؟ لماذا لا تخبرونا بموقفكم من الشريعة وبنودها بندا بندا بوضوح وشفافية ، بدلا من استمرار هذا الضباب الذي يثير الشبهات حول الليبرالية أكثر مما يفيدها.
إنني أكتب هذا الكلام وأطرح هذه التساؤلات لسببين :
أولا: لأنني أعلم جيدا أن معظم الشباب الليبرالي يختلفون كثيرا عن الرموز المنتسبة لليبرالية التي لا تكف عن بث ما تتعفف الأذن عن سماعه وتأباه العقول والقلوب ، أعلم جيدا أن معظم الشباب الليبرالي ليسوا ضد الإسلام ، بل إن منهم من قد يكون محبا للدين وحريصا عليه أكثر بكثير من الشباب المنتسبين للتيارات الإسلامية ، لكنهم بدلا من أن يختاروا الإسلام بوضوح أرادوا أن يطوعوا الليبرالية لتتوافق مع الإسلام ، إنهم لم يختاروا الليبرالية حبا فيها ولكن خوفا من التطبيق الخاطئ للإسلام ، فأرادوا أن يكون هناك ضابط خارجي ينظم العلاقة بين الدين والسياسة ويوجهها نظرا للنماذج السيئة الموجودة في العالم الإسلامي وللأسف ، ولكنهم لا يدركون أن هذا يتعارض ابتداء مع إيمانهم كمسلمين بكمال دين الله وتمام نعمته ، فالإسلام دين كامل واضح مناسب لكل زمان ومكان ، ويملك في ذاته كل ما يريدون ، فهو الذي يحدد وينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وبين الدين والدولة ، وهو الذي يضمن للشعب أن يعترض على حاكمه بل ويغير حاكمه إذا ما حاد عن الحق ، ويعطي الحجة والحق للشعب ليواجه أي محاولة للطغيان باسم الدين ، فالدستور هو الوثيقة التي تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، فإذا كانت هذه الوثيقة هي القرآن الكريم والسنة ، فهل تظن أنها تسمح للحاكم بالظلم باسمها وبأن يدخل في الدين ما ليس فيه؟ وكل النماذج السيئة التي تراها سببها في الحقيقة الشعوب التي لم تعمل بهذه الوثيقة وتطالب بحقوقها ولم تقف في وجه الخطأ والظلم كما أمرها ربها تبارك وتعالى ، ونفس هذه الشعوب إن لم تتغير ستصنع فرعونا جديدا في ظل أي نظام آخر ولو كان ليبراليا ، إن على إخواني الليبراليين المتمسكين والمحبين لدينهم أن يطرحوا على أنفسهم سؤالا هاما يخرجهم من هذا الضباب ويضع النقاط فوق الحروف ، ألا وهو ما هو الشيء الجميل العادل المفيد الذي يريدونه ويتمنونه فوجدوه في الليبرالية ولم يجدوه في الشريعة الإسلامية؟
ثانيا: لأخاطب الشعب المصري الذي يبدو في المشهد كاليتيم الذي يتنازع عليه الأوصياء ، أبحث عن الجوهر ولا تنشغل بالمسميات والمصطلحات التي يغيرها أصحابها كل يوم حسب الظروف وحسب ما تقتضيه حاجاتهم الشخصية ، فالحق سيظل حقا مهما أساءوا تسميته ، والباطل سيظل باطلا مهما أحسنوا تسميته ، فكيف نصدق من يهاجم العلمانية ويعلن احترامه للدين ثم في نفس الوقت يقوم بتقسيم الدين تقسيما ما أنزل الله به من سلطان إلى مبادئ وأحكام ، المبادئ تحترم بمادة كارتونية في الدستور أما الأحكام لا تنفذ؟ ، كيف نصدق من يدعي احترام الدين وتقديره وهو يصف حدود الشريعة بأنها انتهاك لحقوق الإنسان وأن الأحكام الثابتة قرآنا وسنة ليست من الإسلام في شيء؟! ، كيف نصدق من منح نفسه مكانة العلماء رغم عدم أهليته بل وأعد البرامج الدينية وهو يقدح في دين الله ليل نهار وينسب للدين ما ليس فيه كي ينفر الناس منه ويصرفهم عنه؟! أتعبتمونا يا سادة وشققتم صفوفنا بضبابكم وتقلبات رياحكم ، وآن الأوان لهذا المناخ أن ينتهي ، وآن الأوان لهذا الوطن أن يعيش ،، بوضوح.  
-------------------------------------------------
    للتواصل مع الكاتب عبر الفيس بوك
مدونة الكاتب

الاثنين، 12 سبتمبر 2011

من يكتب نهاية الثورة؟


من يكتب نهاية الثورة؟
معتـز عبد الرحمن


       الثورة مثل أي شيء في الحياة ، له بداية وله نهاية ، كثيرا ما نهتم ببدايات وأسباب الثورات ، ولذلك نسمي معظم الثورات بتاريخ بدايتها مثل 23 يوليو و25 يناير ، إلا إننا كثيرا ما نغفل نهايات الثورات وكيفيتها ، فالثورات – لاسيما الشعبية - دائما ما تنتهي لإحدى نتيجتين ، إما النجاح وذلك بتحقيق المطالب وتغيير مسار الدولة إلى الأفضل ، وتأسيس حكم عادل رشيد ، أو تنتهي بالفشل ، والفشل له صور متعددة ، لكن تعددت الصور والمؤدى واحد وهو استمرار مسار الدولة كما هو أو إلى الأسوأ أو حتى إلى الأفضل ولكن أدنى كثيرا من المسار المأمول الذي قامت الثورة من أجله ، ونهايات الثورات تكتبها الشعوب ، فإما أن تكتب النهاية الناجحة بمداد اليقظة والذكاء والوحدة والطموح ، وإما أن تكتب النهاية الفاشلة بأيدي أنواع وأصناف شتى من أبنائها يقوضون ثورتهم من حيث يدرون أو لا يدرون ، ومن هؤلاء الأصناف على سبيل المثال لا الحصر:
 أولا: الذين يتعاملون مع الثورة على أنها نزهة ، ورحلة مجانية لبلاد الأحرار ، فإذا أصابهم خير أطمأنوا به وإن أصابتهم مصيبة لعنوا الثورة والثوار ، هؤلاء الذين نجحوا لعقود في التعايش مع الفساد وإن لم يشاركوا فيه ، وإن كانت السلبية في حد ذاتها تعد مشاركة ، فلم يعد الفساد يثير غضبهم ولا يؤذي أبصارهم وأسماعهم ، فهؤلاء يقبلون الثورة ولكن بشروط ، ألا يطالبهم أحد بواجبات ، وأن يتم التغيير دون نقص في الأموال والثمرات ، ودون أدنى صبر أو تضحيات ، وإلا فالثوار مخربون والثورة مجرد أصابع وأجندات.
ثانيا: الذين يحبون الثورة ولكن لا يفهمون طبيعتها ، وهم أفضل كثيرا ممن ذكرتهم آنفا ، إلا أن قلة الفهم وخفة الأعصاب توقعهم كثيرا في شراك الخوف والتوتر فتتشابه ردود أفعالهم مع ردود أفعال الصنف الأول ، فالثورة ميلاد أمة ، والميلاد منه القيصري ومنه الطبيعي ، القيصري يكون بسلاح - المشرط - وتسيل فيه دماء مقابل راحة أكبر للأم المخدرة ووقت أقصر للولادة ، والطبيعي فيه صراخ وألم ووقت وشد للجنين وساعات وربما أيام ، فعندما تكون الثورة بيضاء سلمية لن تمر وتحقق أهدافها "سريعا" و "دون ألم" و"دون صراخ" و " شد وجذب" ، فلكل تغيير أعداء في الداخل والخارج لن يتركوه يمر مرور الكرام ، ولغياب هذا الفهم تجد هؤلاء القوم  في كل نازلة يفقدون الأعصاب ويعلنون الملل والضجر والشعور "بالقرف" ، ويستعجلون النهاية ولو على حساب الكثير من المطالب ، وكأن هذه النوازل أمرا غير متوقع.
ثالثا: المخلصون الذين لا يستطيعون مجاراة الأحداث ولا يستطيعون أن يكونوا على مستواها ، فرد الفعل عندهم ليس بالضرورة مساويا للفعل في المقدار ولا مضادا له في الاتجاه ، بل طريقة تعاملهم مع كل الأحداث المتنوعة ثابتة ، فإما الحكمة إلى حد التخاذل والنوم ، وإلا الثورة إلى حد التهور والطيش ، وإما الثقة إلى حد السذاجة ، وإما الشك إلى حد تخوين أصابع اليدين ، وكل ذلك خطأ ، والصواب خليط بينهم تتحدد نسب عناصره حسب الموقف والأوضاع ، خليط بين الحكمة والإقدام ، وبين الثقة والحذر ، خليط يحتاجه الوطن بشدة ولكن للأسف قل من يحسن صياغته وتطبيقه.
رابعا: الذين لا يفهمون إلى الآن الفرق بين الإنسان وغيره ، فقد سمعت بعض المصريين يتعجبون من ثورة الشعب الليبي على القذافي رغم أنه يوزع على الشعب شهريا أرز ودقيق وزيت إلخ ، فالذين يرون أن الحياة طعام وشراب ، ولا يرون قيمة للكرامة والحرية والفكر والاحترام لهم دور كبير في كتابة نهاية أي ثورة أو تغيير للأفضل، أذكر أنني سمعت هتافا في أحد المظاهرات الفئوية أزعجني كثيرا ، قالوا (علي وعلي وعلي الصوت اللي هيهتف مش هيموت ) فقلت سبحان الله ، لولا أن هناك أناس شرفاء هتفوا وهم يعلمون أنهم عرضة للموت ، بل ومات بعضهم بالفعل ، ما وقفتم أنتم هاهنا اليوم ، فالفئوي يهتف ليعيش ، والحر يهتف ليحيا ، والفرق بينهما كبير.
خامسا: الذين لا يقرأون التاريخ أو يتغافلون عنه ، والذين أدمنوا اللدغ من نفس الجحر عشرات المرات ، فيضعون أيديهم بل ونحورهم في الجحر ويقولون ستتغير سلوكيات الأفاعي ، فالتاريخ حلقة مفرغة ، تدور وتكرر نفسها ما لم يتعلم الناس منها الدروس والعبر ، فقد علمنا القرآن الكريم أن التاريخ وقصص الأولين ما هي سوى مدرسة لمن أراد التعلم والاعتبار (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)) سورة يوسف
سادسا: من يصدق كل ما يسمع ، ويتبع كل صوت مادام عاليا ، ويستظل بكل راية مادامت تبدو مرفرفة ، سهل التوجيه والانقياد ، عقله دوما في سبات ، والأخطر منه الذي لا يسمع إلا ما يريد سماعه ، كالمريض الذي يدور بين الأطباء عسى أن يخبره أحدهم أنه سليم ، خشية الجراحة ، وكالذي يدور بين المحللين والقنوات عسى أن يخبره أحدهم بأن الثورة في آمان ، خشية الاضطرار للعمل ، وسيجد حتما بغيته ، وسيسمع حتما ما يريد ، فيترك العلاج والحرص والعمل ، يتركهم رغم يقينه بأن المريض لا يزال مريضا والثورة لا تزال في خطر.
سابعا: سكان أستديو التحليل ، وأنا لا أعني هنا نخبة الفضائيات ، ولكن أعني كل مصري لا يكف لسانه عن الكلام والثرثرة ، ولا يكف عن التحليل ووضع الافتراضات والحلول النيرة ، ولا تجد له في الواقع أي أثر أو عمل ، ففي مصر ملايين القادة والمديرين مقابل عشرات الجنود والعاملين ، ملايين يُنظّرون ويتناظرون وفي كل موقف يختلفون بين القبول والرفض ، إلا أنهم يتفقون في شيء واحد وهو عدم التواجد على الأرض ، يناقشون الفقر ولا يحاربونه ، يناقشون الظلم ولا يتصدون له ، ويتصورون مستقبل مصر ولا يعملون من أجله ، يتحدثون عن المخاطر المتربصة بالثورة ولا يحمونها ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (3)) سورة الصف
ستنتهي الثورة المصرية ولابد ، ستنتهي في وقت من الأوقات قرب أم بعد ، ستنتهي ويكتب نهايتها المصريون جميعا ، وهم حتى الآن في خيار ، هل يبدأون أخيرا حياة جديدة نظيفة ويبنون دولة حديثة متقدمة بعد نحو قرنين من الضياع؟ أم يضمون إلى سجلاتهم ثورة جديدة من الثورات الفاشلة ، ويتندر ويتعجب أحفادهم في المستقبل منهم ومن سذاجة أخطائهم ، كما تندروا هم وتعجبوا من الذين من قبلهم؟ هذا السؤال ، وعلى الشعب الإجابة.
-------------------------------------------------
    للتواصل مع الكاتب عبر الفيس بوك
مدونة الكاتب

الأربعاء، 7 سبتمبر 2011

الإسلاميون والبطيخة الصيفي


الإسلاميون والبطيخة الصيفي
معتـز عبد الرحمن


       حقا أنا لم أعد أفهمكم ، رغم أني واحد منكم ، أحلامكم أحلامي ، مبادئكم مبادئي ، أفكاركم أفكاري ، شيوخكم شيوخي ، كتبكم مكتبتي ، وأنتم أحب الناس إلى قلبي ، ولكني لم أعد أفهمكم ، لذا قررت أن أبث حيرتي وتعجبي ، وغضبي واستنكاري ، عسى تجيبوني فأفهم وأقتنع ، أو تفهموني أنتم وتقتنعون.

     بداية هل تستشعرون حجم المسئولية الملقاة على أكتافكم؟ هل تدركون حجم الدور المطلوب منكم ؟ لقد قلتم وأثبتم أنكم الفصيل الأكبر في الشعب المصري والأكثر تأثيرا ، وهو تكليف أيما تكليف وليس من التشريف في شيء ، هذه القوة وهذا التأثير يسلبكم حق الاختيار وحق تحديد الدور الذي ترونه لأنفسكم ، فهو يلزمكم ببذل الغالي والنفيس ، وببذل أقصى ما يمكن بذله لحماية هذا الوطن في مرحلة من أخطر مراحله ، ولكم في نبي الله يوسف أسوة حسنة ، فنبوته وإيمانه وزهده وورعه لم يمنعوه من طلب واختيار تولي المسئولية لما رأى أنه الأقدر والأجدر على تحملها ليمر بالبلاد لبر الأمان ، ولا عجب أن هذه البلاد التي أنقذها نبي الله يوسف عندما احتاجته ، هي نفس البلاد التي تحتاجكم اليوم ، إنها مصر ، مع الفارق الكبير الذي ليس في صالحكم ، فهي بلادكم ولم تكن بلاده ، وهي الآن مصر درة العالم الإسلامي ، وحينها كانت بلاد كفر وشرك ، ومات نبي الله يوسف المنقذ لها بإذن الله دون أن يؤمن أهلها به (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ) (1)

   في رأيي أن آخر قرار حقيقي اتخذتموه كان قرار الموافقة على التعديلات الدستورية ، واختيار طريق صناديق الاقتراع كوسيلة للتحول الديموقراطي في مصر وتسليم البلاد إلى سلطة مدنية يرتضيها المصريون ، وكان لكم ما تريدون ، واكتسحت (نعم) الاستفتاء وبدأنا جميعا ننتظر هذا التحول الديموقراطي ، وندعو لحمايته من أي محاولة للالتفاف على إرادة الشعب والاستخفاف بها ، ومعركة (الدستور أولا) شاهدة على ذلك ، إلا إنكم أغمضتم أعينكم عما تلاها ومازال يتلوها من أحداث وإشارات ، وأصبحت الانتخابات غاية وليست وسيلة ، تنتظرونها وتناضلون من أجلها بصرف النظر عن أي مستجدات ، وانعزلتم عن الشارع والواقع ، وهذا ما يثير عجبي وحنقي ويجعلني أسألكم:
     ألا ترون أن في البلاد ثورة مضادة؟ ألا تشعرون أننا نرجع إلى الخلف؟ ألا تقلقكم المحاكمات العسكرية التي أثخنتكم من قبل ولا يوجد ما يحميكم منها الآن أوغدا؟ ألا يقلقكم الانفلات الأمني الملحوظ و"المتروك"؟ ألا تستفزكم عجائب محاكمات رموز النظام السابق؟ ألا يرعبكم الظلام والغموض الذي يكتنف الطريق الوحيد الذي ارتضيتموه؟ ألا تقلقون من تجريم التظاهر واحتلال الميدان بعد يومين من مظاهرتكم الشهيرة؟ ألا تتساءلون أين قانون الغدر؟ ألا تغضبون من استمرار العمل في إعداد الوثيقة الحاكمة وكأن 29 يوليو كانت نزهة ؟ وألا وألا ، أرى أنكم تعلمون كل ذلك جيدا وتدركونه ، ويمزق الغضب أحشاءكم ويعصر القلق قلوبكم ، إذن فلماذا لا تقفون بجوار الشعب ومطالبه ؟ ولماذا لا تناصرون الثورة وتحمونها ؟ هل كما يقولون عنكم أنكم خنتم الثورة وأنكم طلاب سلطة؟ في ظني إن لم يكن في يقيني أن هذا غير حقيقي ، ولكن الواقع أنكم انشغلتم بالفرع عن الجذع ، ولم تحسنوا اختيار الخصم ، واختلقتم لأنفسكم الفزاعات والحواجز التي حالت بينكم وبين كل دعوات تصحيح المسار وتظاهراتها إلا قليلا.

    تقولون نؤيد كل هذه المطالب ونتمناها ولكن نخشى أن تتبدل المطالب ويستغل عددنا في طلب ما نرفض وما يضر البلاد ، وأقول: ثلاثون فصيلا انسحبوا من تظاهرة 29 يوليو ولم يشعر بهم أحد ، فهل لو نزلتم بقوتكم يظهر بجوار مطالبكم مطالب؟ وهل من الممكن أن توجه الأحزاب والائتلافات الكارتونية القوى الشعبية؟ هل تستطيع الآلاف أن تخدع الملايين؟ وإن كان هذا ممكنا فما أكثر ما فيكي يا مصر من ميادين؟ فاختاروا منها ما تشاءون لتعلنوا مطالبكم الصافية ، فإذا كان ولابد من التحرير فاختاروا يوما غير يوم الليبراليين والعلمانيين ، المهم ألا تعيشوا صامتين.

    تقولون نؤيد كل هذه المطالب ونتمناها ولكن نخشى الصدام مع الجيش والوقيعة ، واتخاذ التظاهر إلى ذلك ذريعة ، ويندس المندسون وتحدث الفتنة المريعة ، وأقول: ونحن جميعا نرفض الصدام ، ولكن هل يقول ذلك أبطال موقعة الجمل واللجان الشعبية؟ هل تخشى الملايين من البلطجية؟ بالعكس ، فبدونكم يحدث الاحتكاك ويطمع الطامعون ويندس المندسون، فالذي يندس بينكم مجنون ، وأنتم تعلمون ، وبالتالي فأنتم الوحيدون القادرون على إعلان المطالب صافية ، دون صدام أو وقيعة ، وتتحملون – في وجهة نظري – مسئولية اختلاط المطالب وحدوث الصدام إذا حدث في غيابكم ، ففي 8 يوليو ، لم يغلق المجمع ، وتهدد قناة السويس والمترو إلا بعد انسحابكم قبل تحقق مطالبكم.

    تقولون نؤيد كل هذه المطالب ونتمناها ولكن نخشى من مؤامرات أجنبية ، تسعى لتمكين العلمانية ، والبرادعي والليبرالية  ، وأقول : هل ستنجح المؤامرات وأنتم تقودون الشارع وتفشل وأنتم في البيوت؟ هل ستنجح وصوتكم عالي وتفشل وأنتم سكوت؟ أليس من التمكين للعلمانية والليبرالية أن تفسحوا الميدان للعلمانيين والليبراليين ليطالبوا بحقوق الشعب وحدهم ؟ وبالتالي سيلتف الشعب وأهالي الشهداء والمحكوم عليهم عسكريا حولهم؟ وإذا كنتم تؤمنون بكل هذه المؤامرات ، فلماذا تأمنون على الانتخابات؟ الانتخابات التي تأجلت مرة بعد مرة ولم تعترضوا ، والتى لا تعرفون لها موعدا ولا جدول ، ولا دوائر نهائية ولا قانون ، ومازالت محاطة بالضباب والغيوم ، رغم أنها من المفترض أن تكون على وشك ، وبالتالي لن يستعد لها إلا أصحاب الأموال والعائلات ، ومن المعلوم من هم أصحاب الأموال والعائلات ، وستخرجون من الساحة بحكم الديموقراطية التي ارتضيتموها وسكتم من أجلها كثيرا، ويعود الوضع كما كان باختيار الشعب الذي تخسرون أسهمكم عنده يوما بعد يوم ، فليت شعري من أين أتيتم بهذه "البطيخة الصيفي" التي تضعونها في بطونكم وفي بطون الملايين من أتباعكم وتلاميذكم؟ أليس لكم في ثورة عمر مكرم وأحمد عرابي عبرة؟ إلى متى ستظلون فاقدين لروح المبادرة؟

    انتظر أن أسمع ويسمع معي الشعب ما يقنعننا ويروينا ، أو نرى منكم ما يقر أعيننا ويحمي ثورتنا ويحمينا، ولا أنتظر أن أسمع اتهامات بشق الصف ولا بنشر الغسيل ، فالقرآن علمنا أن الحق واضح وواحد وأصيل ، لا مجاملة فيه ولا تبديل ، وفي سورة النساء (105 – 113) الحجة والدليل. (2) ، وقال رسولنا صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة ، ونصيحتي لكم على الملأ ليست فضيحة ، فقد علمتمونا أن ما كان على الملأ ، رده يكون على الملأ ، وأن الكبير يقبل النصيحة من الصغير ، مثلما يقبلها الصغير من الكبير ، وأن الطاعة المطلقة لله وللرسول صلى الله عليه وسلم فقط ، ولا طاعة لغير الله والرسول صلى الله عليه وسلم إلا بالحجة والإقناع والدليل.
--------------------
(1)     سورة غافر ، الآية 40
    للتواصل مع الكاتب عبر الفيس بوك
مدونة الكاتب

السبت، 3 سبتمبر 2011

الإسلاميون والليبراليون ، كلمة سواء



الإسلاميون والليبراليون ، كلمة سواء
معتـز عبد الرحمن


       أؤمن تماما أن الخلاف بين التيارات الإسلامية من جانب والعلمانية والليبرالية من جانب آخر جذري ولن ينتهي أبدا، ولكني تمنيت بعد الثورة أن يكون هناك نوع من التوافق لنعبر بمصر لبر الأمان، ومواجهة الخطر الذي يتربص بالفريقين وهما لا يشعران ، إلا إن النخبة العلمانية والليبرالية تمسكت بلهجة الاستعلاء والإقصاء وازدراء الإسلاميين لاسيما السلفيين على نمط (وما نراك اتبعك إِلا الذين هم أراذلنا بَادِيَ الرأي)،فتخلى في المقابل الإسلاميون عن لهجة "الطبطبة" والطمأنة التي انتهجها معظمهم بعد الثورة وانتقلوا للهجة المواجهة والتحدي على نمط (إِن تسخروا منا فإِنا نسخر منكم كما تسخرون) (1)، إذن فقد تحولت الساحة السياسية المصرية إلى معسكرين فكريين ، معسكر الإسلاميين ودعاة تطبيق الشريعة ، ومعسكر يحوي كل القوى الأخرى الرافضة لتطبيق الشريعة مع الاحتفاظ بالاحترام الرمزي لها بالموافقة على وضع مبادئ الإسلام في علبه قطيفة شيك على رف المادة الثانية من الدستور ، لم يعد عندي أمل في التحام الصف كليا مرة أخرى ، ولكن عندي أمل أن يطبق كل منهم على الأقل مبدأ (أنا وابن عمي على الغريب) ، فليستمر النزاع الفكري – إن لم يكن العقدي-  الطبيعي إلى الأبد ولكن أدعوهم إلى كلمة سواء فيما يلي:

أولا: التعاون في حماية الثورة وإفشال أي التفاف عليها ، التعاون في مطالب التطهير والقصاص ، والمطالبة بجدول زمني واضح لتسليم السلطة في مصر ، والتصدي للثورة المضادة ، ففي ظل تفرغ كل منهما لمنازلة الآخر ، أبناء مبارك يعملون في جلد ، وحملات تلميع رموز النظام السابق تعمل في دأب ، والعمل على تبغيض الثورة إلى بسطاء المصريين – القوة الانتخابية الحقيقية – لا يتوقف لحظة ، مما قد يقلب المنضدة على الجميع ، وتعود مصر إلى مرحلة ما قبل الثورة ولكن بانتخابات ديموقراطية هذه المرة ، ويرد أعضاء النظام الفاسد الزنازين لأصحابها الأصليين ، إسلاميين وليبراليين على سواء.

ثانيا: في وجهة نظري المجلس العسكري لا ينحاز إلى أحد ولا يتحالف مع أحد ، فهو يقف على مسافة ليست فقط واحدة ولكنها أيضا بعيدة عن كل الأطراف ، فلا ينبغي لأحد أن يتصور أن المجلس قد يعينه على خصمه أو يعين خصمه عليه ، فالمجلس له رؤية مستقلة لمستقبل مصر لا نعرفها حتى الآن ، لذا فينبغي على الطرفين متابعة ومراقبة هذه الرؤية أيضا من مسافة بعيدة ، والحوار والتدخل إذا ما ظهر أن هذه الرؤية قد تكون مخالفة لمصلحة مصر وإن حسنت نوايا المجلس ، ناهييك عن أن التفكير في منح الجيش صلاحيات ما فوق دستورية – هو لم يطلبها -  من أجل إقصاء فصيل وطني آخر يعتبر – على الأقل في وجهة نظري- خيانة للوطن وللثورة.

ثالثا: الالتزام بالأخلاق والإنصاف ، وعدم التجني وادعاء الكذب على الآخر ، فإذا كان الليبراليون في عمومهم لا يستحلون الخمر مثلا ، فالسلفيون أيضا لا يحرمون فرشة الأسنان (قناة التحرير) ، صاحب الحجة لا يحتاج أن يكذب أو أن يدعي ، والمنصف لا يحكم ولا يعادي دون أن يسمع الخصم ، فليسمع كل منا الآخر ، وليخاصمه بشرف ونزاهة وإنصاف ، وأيضا ليكن الأصل في العمل هو الدعوة إلى الفكر ، والفرع هو الرد على الآخر وتفنيد حججه ، فليدعو كل منهما إلى رؤيته ومنهجه بدلا من التفرغ للرد على الآخر وذكر سيئاته ، ولكن مرة أخرى فليلتزم كل منهما في الفرع بالشرف والنزاهة والمنطق.

رابعا: الوضوح هو واجب الوقت ، لأن الخلاف "الطبيعي" الموجود لن يحسم تأثيره على مستقبل مصر إلا باختيار شعب مصر ، وليختار شعب مصر يجب أن نكون أمناء وشديدي الدقة في عرض أفكارنا عليه ، دون تجميل ، ودون "لف ودوران" وتلاعب بالألفاظ ، فكما يقول الدكتور عمرو حمزاوي أن الشعب المصري سيكون أمام نموذجين ، نموذج الدولة الدينية – على حد وصفه – أو الدولة التي تطبق شرع الله ، ونموذج الدولة المدنية ، إذن فلابد من توضيح تفاصيل الدولتين للناس ، وقد طلبت من التيارات الإسلامية من قبل وضع مسودة للدستور الإسلامي يقرأها الناس ويناقشونها (2)، و أيضا أطلب من التيارات الليبرالية الثبات على موقف وإيقاف المراوغات اللفظية والتراجعات التي رصدت جانب منها في مقال سابق (3) كي يتثبت الناس من اختياراتهم ويكونوا على نور.

خامسا: وهي مرتبطة بالتي قبلها ، آن الأوان لتطبيق الديموقراطية ، ولمنح الشعب المصري حقه في الاختيار لأول مرة منذ ستين عاما ، آن الأوان لإيقاف الالتفاف حول إرادة الشعب من أجل تحقيق فكر شخصي أو فئوي ، فإن الذين كانوا يعتزلون الديموقراطية قبل الثورة بسبب التزوير ، بل والبعض الذي كان يحرمها ، قرروا احترامها كآلية للانتقال بمصر إلى مرحلة جديدة يحكمها فيها أبناؤها وحسب ، فليت شعري كيف يتراجع عنها الآن أساتذتها ومنظروها ودعاتها؟ رغم أن بعضهم لا يزال يذيل كلامه دائما بمقولة (الديموقراطية هي الحل) ، ورغم أنهم ينتقدون أداء المجلس العسكري وحكومة شرف في المرحلة الانتقالية باستمرار ، مما يعني أنهم يدركون جيدا أن المرحلة الانتقالية باتت حملا ثقيلا على مستقبل مصر ويجب أن تنتهي في أقرب فرصة ، وأن يتسلم الشعب المصري دولته ، ويتفرغ الجيش المصري للأوغاد الذي يعبثون على الحدود.

سادسا وأخيرا: وهذه خاصة للتيارات الليبرالية والعلمانية ، وأنتم تنازلون خصومكم فكريا ، وتفندون أعمالهم وأقوالهم ، عليكم أن تفرقوا جيدا بين ما هو منسوب لهم ولأشخاصهم ، وما هو جزء من الإسلام نفسه ، لأن عدم التفرقة الناتج عن عدم الوعي الإسلامي الكافي ، يوقعكم كثيرا في هذا الخطأ ، مما يؤدي لاستفزاز مشاعر المسلمين عامة ، ومما يثبت للناس ما يقال عنكم وتصفونه بالكذب ، ومما يؤدي لتحويل الحوار الوطني إلى حوار عقدي ، وأيضا وهذا هو الأهم مما يوقعوكم في ورطة كبيرة يوم القيامة ، يوم الحسرة والندامة ، وأنتم وقوف بين يدي الله تعالى لينبئكم بما كنتم تعملون.

---------------------
(1)     استشهدت بالنصيين القرآنيين لبلاغة وصفهم للواقع ، وليس لأن الأول قول الكافرين والثاني قول المؤمنين ، فأرجو ألا أقرأ أو أسمع أي اتهامات سفسطائية لي بالتكفير بسبب هذا الاستشهاد.
(2)     تطبيق الشريعة وخارطة الطريق http://just-khawater.blogspot.com/2011/08/blog-post.html
(3)     الليبراليون ومراجعات ليلة الامتحان http://just-khawater.blogspot.com/2011/06/blog-post_21.html

    للتواصل مع الكاتب عبر الفيس بوك
مدونة الكاتب

الجمعة، 19 أغسطس 2011

عندما علا صوت المعركة



عندما علا صوت المعركة
معتـز عبد الرحمن


       تولى أمير المؤمنين أبو بكر الصديق الحكم في دولة وليدة محاطة بالأخطار ، فالعدو الرومي متربص بها على الحدود الشمالية ينتظر الفرصة للانقضاض عليها ، الأمر الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم يجهز جيش أسامة بن زيد قبل وفاته ليؤمن حدود الدولة الشمالية ، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي قبل خروج الجيش ، وبعد وفاته انصدع الداخل المسلم بارتداد بعض القبائل ومنع البعض الآخر الزكاة ، فأصبح أمير المؤمنين بين مطرقة الفتن الداخلية وسندان الحدود الخطرة ، ووعى أبو بكر القائد المغوار الحكيم أن هناك قضايا لا تحتمل التأجيل وأن الحكمة لا تستدعي دوما فتح جبهة واحدة وتأجيل الأخرى ، فلا معنى من تأمين الحدود دون إصلاح للداخل ، ولا معنى للعكس ، فخاض المعركتين بقوة ، ومر بالدولة المسلمة إلى بر الأمان ، وبدأت على الفور سلسلة الفتوحات المباركة التي راحت تنقذ الشعوب من طغيان وظلم حكامها ، ليعيشوا في عدل الإسلام سواء أسلموا أو اختاروا أي عقيدة أخرى ، لم يعش أبو بكر الصديق بعدها طويلا ، فجاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، الذي بنى الهيكل المؤسسي للدولة ، ووضع قوانين وقواعد تعيين ومحاسبة الولاة على الكسب غير المشروع والفساد السياسي ، وأنشأ دولة يضرب بها المثل في النظام والمؤسسية والعدل بشتى صورهم ، كل ذلك وجيوشه تخوض المعارك في العراق والشام وشمال أفريقيا ، دون أي تعارض أو تضارب، ولقد ضربت المثل بهذين الأميرين ولم أضرب المثل برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يقال ومن مثل رسول الله ، رغم أن الله بعث النبي بشرا حتى نقتدي به ، وكل ما فعله أبو بكر وعمر من رؤية تكاملية واضحة ما هي إلا من الدروس التي تعلموها من سيرة وحياة النبي الكريم الذي علم أمته مفاهيم التوازن والتكامل.

    ولكن فيما يبدو أن مسلمي العصر الحديث لم يتعلموا كثيرا من نبيهم صلى الله عليه وسلم وخلفائه في هذا الصدد ، فالمسلمون عامة والعرب خاصة أصبحوا الآن ذوي رؤية أحادية قاصرة ، لا يستطيعون العمل في أكثر من جبهة ، فإذا ضربت العراق نسوا فلسطين ، وإذا قصفت لبنان نسوا العراق وفلسطين ، وإذا ضرب الجمهور الجزائري الجمهور المصري في أم درمان ، نسوا أسماءهم ، وبالتالي سهل على أعدائهم توجيه اهتماماتهم وأنظارهم حيث يريدون ليفعلوا هم ما يشاءون ، وفي رأيي لم يكن الأعداء فقط هم من استغلوا هذه الثغرة ، بل كثير من الحكام استطاع اللعب بهذا الكارت ليبتز شعبه ويلجمه ، فقديما رفعوا شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) ، فإذا تحدثت عن الفساد السياسي والإداري قالوا مش وقته (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) ، أو تحدثت عن التعذيب والاعتقال قالوا وبعدين (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) ، رغم أن بعض هذه المعارك كان ناتجا أصلا عن الفساد السياسي ، فنكسة 1967 لم تكن بسبب الجيش وإنما بسبب الفساد السياسي والنزاع على السلطة وعدم وجود دستور محترم ينظم الحياة السياسية ويكفل للشعب مراقبة ما يحدث في دهاليز الحكم والحكام ، ومن العجيب أيضا أن خصمنا في المعركة لم يمنعه القتال من بناء دولة غاية في الحداثة ، وبناء نظام سياسي قوي يكفل التداول السلمي للسلطة ويكفل حق الشعب الإسرائيلي في اختيار حكامه ، والأعجب أن معركتنا توقفت منذ 40 سنة ومعركتهم هم مع سائر الخصوم لم تتوقف إلى الآن ، ومع ذلك قارن بيننا وبينهم في كل شيء اقتصاديا وعلميا وسياسيا ، مما يدل أن أعداءنا يتعلمون من سيرتنا وتاريخنا أكثر مما نتعلم نحن ، تعلموا أن مجابهة الخصوم و بناء الداخل السياسي والاقتصادي وجهان لعملة واحدة وليسا أمرين متعارضين كما يعتقد الكثيرون من بني ديننا وجنسنا ووطننا.

   إذن إسرائيل الآن تعبث على الحدود المصرية ، ويجب ألا نسمح لها بمزيد من العبث في دماء أبنائنا ، ولكن ينبغي أيضا ألا يكون عبثها سببا في عبث أي أحد بمستقبل وحرية وكرامة هذا الشعب ، وألا يكون سببا في ابتزاز أي أحد كائنا من مكان لهذا الشعب الذي بدأ أخيرا يحبو في الطريق الصحيح ، ستظل أعيننا يقظة على الحدود ، وأصابعنا على الزناد ، وأرواحنا جاهزة للبذل بإذن الله ، ولكن لن يشغلنا هذا أبدا عن مستقبل مصر الداخلي ، ولن يشغلنا عن حماية الثورة ، ولن يسمح بتمرير أي شيء يخالف مصلحة الشعب المشغول بأحداث سيناء تحت شعار (إحنا في إيه ولا في إيه) ، لن ننتصر في الخارج دون إصلاح الداخل ، ولن يتفانى المصري في الدفاع عن بلاده قبل أن يشعر أنها حقا بلاده ، التي تحبه كما يحبها ، وتحفظ حقوقه كما يحفظ هو حدودها ، قبل أن يتأكد أنه لن يكون جمعة الشوان الجديد ، الذي أفنى عمره من أجلها ثم لم يجد لنفسه فيها علاجا بسبب فساد نظامها ، أكرر ، لن ننتصر في الخارج دون أن نصلح الداخل سواء كان ذلك على التوالي أو التوازي حسب ما تفرضه الظروف ، وتذكر دائما أبا بكر وعمر ، والنكسة ، وإسرائيل.

للتواصل مع الكاتب عبر الفيس بوك
مدونة الكاتب

الأربعاء، 17 أغسطس 2011

الأجداد والأحفاد والفراعنة الجدد



الأجداد والأحفاد والفراعنة الجدد
معتـز عبد الرحمن


       بالرغم أننا دائما نستخدم مصطلح "الفرعون" لتوصيف الإنسان الديكتاتور سواء كان حاكما لدولة أو لشركة أو حتى لأسرة صغيرة ، إلا إننا قليلا ما نحاول التأمل في قصة الفرعون الأصلي مصدر إلهام كل هؤلاء ، ودائما ما يهتم معظم الدعاة والمفسرون في قصة نبي الله موسى بالأحداث التي بينه وبين فرعون ، ثم الأحداث التي بين نبي الله موسى وبني إسرائيل بعد هلاك عدوهما ، ويغفلون الحديث عن العلاقة الدقيقة التي كانت بين فرعون وشعبه والتي تحدث عنها القرآن الكريم كثيرا لعلنا نتذكر أو نخشى ، إننا نتحدث عنه دائما وكأنه حالة فريدة من حالات الحكم الجائر ، وفي الحقيقة فرعون لم يتفرد بشيء سوى ادعاء الألوهية والربوبية ، أما فيما عدا ذلك ، فقد اعتمدت دولة الفرعون على كل الركائز التي يعتمدها الطغاة في عصرنا الحديث من أجل إحكام السيطرة على شعوبهم ، بدءا من "فرّق تسد" (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) القصص 4 ، ثم تشويه المعارضين والمصلحين (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ ) غافر26 ، واحتكار معرفة مصلحة الشعب (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ ) غافر 29 ، والعمل على تفزيع الشعب من الأجندات الخاصة والعمالة حتى يظلوا مؤمنين أن وجوده في الحكم يساوي الأمن القومي (قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) الأعراف 123 ، استخدام الإعلام الموجه الذي يوحي للناس بأن الفرعون ورجاله دائما على حق (وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40)) الشعراء ، أما عن القمع والإذلال فحدث ولا حرج (وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) الأعراف 127 ، بل ولم يكتف بتنصيب نفسه إلها معبودا للناس،( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) القصص 38،  بل نصب نفسه ربا للناس (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ) النازعات 24* ، وأنت تقرأ القرآن الكريم وتتأمل في كل هذه الآيات والأحداث المذكورة في سور مختلفة ستجد أن أمام هذا المكر والطغيان الشديد لم يكن للشعب المصري أي ردود أفعال تذكر ، حتى عندما أدعى الفرعون ما لا يقبله عقل أو قلب ، ظل ممسكا بزمام الأمور بمنتهى البساطة وبأقل مجهود ، ولم يذكر القرآن الكريم سوى ثلاث مواقف معارضة له ، إيمان السحرة ، ومؤمن آل فرعون ، السيدة آسية زوجته رضي الله عنها ، بل إن هذا الشعب القديم لم يستغل وجود نبي من الله بينهم كي يثوروا ضد هذا الظالم ويتخلصوا منه ، بل استمرأوا الظلم استمراء ، وأيدوه ودعموه ، حتى قال الله فيهم (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) الزخرف 54.
        
      تذكرت هذه القصة وهذه الآيات وأنا أرى مجتمعنا الآن يؤهل نفسه من جديد لتصنيع وتفريخ جيلا جديدا من الفراعنة ، فإذا كان مجرد سكوت واستسلام المصريين القدماء لسياسات الفرعون التي ذكرتها آنفا ، مع المبالغة في مدحه وتقديسه قد صنعت أعتى وأظلم طغاة التاريخ الذين قال الله فيهم (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) غافر 46، فما بالكم إذا كنا نحن الآن لا نسكت ونستسلم وحسب بل إننا نصنع هذه السياسات بأنفسنا ، إننا نتناحر ونتفرق شيعا ، ونسعد ونشمت عندما يُستضعف بعضنا أو يُظلم ، إننا بعد أن عانينا من تشويه النظام السابق لكل المعارضين بدون حق ، أصبحنا جميعا  نقوم بنفس الدور القذر مع كل من يخالفنا ، وسادت لغات التخوين والأجندات ، والإعلام الموجه المضلل ، فقد أصبحنا وللأسف لا نحتاج لفرعون يفرقنا ، ولا نحتاج لفرعون يشوهنا ، ولا نحتاج لفرعون يدفعنا لتقديسه والالتفاف حول رأيه وما يرى لنا من سبيل الرشاد ، بل نحن نبادر بالتقديس والاحترام المبالغ فيه ، لقد كتبت وتكلمت من قبل مرارا لأحذر من أن يعود الشعب لسلبيته فيصنع من الرئيس المنتخب القادم فرعونا جديدا ، ولكن هاهو الشعب المصري بأغلبيته الصامتة المعتادة ، وبجزعه الدائم من المستقبل ، وبميله المعهود للاستقرار حتى قبل حدوث الاضطراب ، لم يعد حتى ينتظر انتخاب رئيس، بل بدأ من الآن كتابة مستقبل مصر الفرعوني ، وبدأ يضيع كل مكتسباته التي منحها الله له بأقل الأثمان ، ولا عجب فهو لم يرجع قط بساطة الثمن إلى فضل الله ، بل أرجعها لانحياز هذا ووطنية ذاك ، فإرجاع الفضل إلى الله يتطلب شكره ، وشكر الله يتطلب العمل للحفاظ على النعمة ، أما إرجاع الفضل لهذا وذاك ، فيتطلب الشكر لهم ، والشكر لهم يتطلب الثقة العمياء والرضا منهم بالقليل والتصفيق الطويل ، أمتي الحبيبة ، أفيقي واحمي حريتك ، عودي لكتاب ربك فاقرئيه وافهميه ، لتقلعي عن هذا العادة وتوقفي هذه الصناعة ، فلا أريد أن أراك ثانية تصنعين بأيديكي الفراعين ، حتى إذا ما استخفوا بكي من جديد ، أطعتي واستسلمتي ، وأصابك الوصف الشديد (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ).
-----------------------
* برجاء – لمن شاء -  مراجعة كتب التفسير والعقيدة لمعرفة الفرق في المعنى بين كلمتي الرب والإله.
للتواصل مع الكاتب عبر الفيس بوك
مدونة الكاتب
/

الأحد، 14 أغسطس 2011

تطبيق الشريعة ، وخارطة الطريق



دعوة عملية
تطبيق الشريعة وخارطة الطريق
معتـز عبد الرحمن


      إذن هذا يكفي ، ستة أشهر من المقالات والتصريحات والمناظرات والمظاهرات ، ستة أشهر نتحدث عن تطبيق الشريعة وأهميته ، كتب الكُتاب وخطب الخطباء وناظر المناظرون وتظاهر المتظاهرون ، ستة أشهر أرى أنها كانت مثمرة ، أعادت لوجدان المسلمين قضية دفنت في أدراج الطغاة منذ نحو قرن ، وأعادت لأذهانهم حلما جميلا ، لم يكن يخطر على بال مسلم في مصر طوال العقود الماضية إلا وأيقظته أيادي الطغاة وهي تسحله إلى المعتقلات ، ولكن لكل مقام مقال ، ولكل حادث حديث ، ولكل وقت واجباته ، فتداعيات جمعة 29 يوليو تثبت أن مرحلة الخطابة والتنظير قد انتهت ، وأن مرحلة التخندق والدفاع عن التيارات والأسماء التي سميناها نحن وآباؤنا يجب أن تنتهي هي الأخرى ، ففي وسط التعليقات العنيفة التي تلت جمعة الهوية استوقفني تعليقان:

 الأول لإحدى الفتيات تقول ( السلفيين قالوا على الثورة حرام وجايين دلوقتي عاوزين يحققوا مطالبهم) ، الملفت أن كثير من الشباب السلفي عندما يسمع مثل هذا التعليق يشرع على الفور في توضيح موقف السلفيين من الثورة ويستميت في رد هذا الاتهام ، ويغفل أن في التعليق مأساة أكبر ، وهي أن مثل هذه المسكينة تعتبر الشريعة مطلبا سلفيا أو إخوانيا وليس مطلبا إسلاميا يريده كل المسلمين المحبين لدينهم ، الإسلام عندها مثل الاشتراكية التي يؤمن بها الاشتراكيون وحدهم أو الليبرالية التي يؤمن بها الليبراليون وحدهم ، لذا فالأولى بنا جميعا ، وأقصد بـ (بنا) أي كل المسلمين الذي لا يحملون أي شبهة أو قلق تجاه تطبيق الإسلام ، أن نتصدى ونغير هذا المفهوم العجيب ، بأن نتخلى ابتداءا عن التسميات والعصبيات ونعقد لواء الولاء على ساري الإسلام وحده ، وأن نوقظ في المسلمين حبهم لشريعتهم ، ونذكرهم بأن تطبيقها جزء لا يتجزأ من عقيدتهم وعبادتهم كمسلمين ، لا كإخوان أو سلفيين ، حتى يعود المطلب لطبيعته الأصلية ، مطلبا إسلاميا شعبيا وليس مطلبا حزبيا.

التعليق الثاني جاء على لسان عدد كبير من المسلمين: ( نحن لا نعارض تطبيق الشريعة بل ونطالب به ، ولكن من الذي سيطبقه؟ وما هي الضمانات أن التطبيق سيكون فعلا مقيدا بالشرع وليس بأهواء المطبقين؟)
وفي الحقيقة هو سؤال مشروع ، فالنماذج المسيئة للمشروع الإسلامي كثيرة ، لذا فواجب الوقت في وجهة نظري أن يشرع على الفور علماء الإسلام وأساتذة القانون المحبين للشريعة في وضع تصور كامل لنظام الحكم في ظل الإسلام ، وفي وضع نموذج للدستور الإسلامي يقرأه الناس ويلمسوه بأيديهم ، وأن تخرج الدعوة لتحكيم شرع الله من مرحلة العواطف الجياشة ومرحلة الضبابية التي تعيشها الآن إلى مرحلة النموذج والواقع العملي الذي يقرأه الناس ويفهموه ، فأنا أعلم أن هناك عدة نماذج للدستور الإسلامي جاهزة بالفعل أحدها وضعه مجمع البحوث الإسلامية في السبعينات ، لكن أين هذه النماذج؟ ولماذا لم تخرج للناس؟ لقد حاولت البحث عنها على الانترنت فلم أجد سوى بعض مواد منها على بعض المنتديات الإسلامية ، بل ووجدت بعض شباب المنتديات يطالبون بتطبيق دستور مجمع البحوث والدستور غير مرفوع على المنتدى أصلا، فكان الأولى بالقوى الإسلامية والأحزاب المنبثقة عنها أن تهتم بنشر مثل هذه النماذج أكثر من اهتمامها بالرد على الشبهات المرسلة وعلى هجوم الإعلام الليبرالي عليها وعلى الشريعة ، أين جبهة علماء الأزهر من هذا؟ وأين دور الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح؟ إن الشعب يريد تطبيق شرع الله ، ولكنه يريد أن يمسك في يديه بنود هذا الشرع كي يطالب بها بندا بندا ، حتى لا يسرق أحد حبه لدينه ويلتف عليه ، إننا نريد دستورا وقانونا يوزع أمام المساجد والكنائس وفي الجامعات والمدارس وعلى المقاهي وعلى الانترنت ، وصدقوني لو حدث هذا ستحتوي مليونية الشريعة القادمة – إن حدثت - على ليبراليين ومسيحيين واشتراكيين بل وعلى كثير من الأغلبية الصامتة ، إن الشعب المصري في عمومه يحب الإسلام ، ولكنه لن يشتري سمكا في ماء ، فإذا كنا دوما نطالبه بعدم الخلط بين الإسلام وسلوكيات الإسلاميين ، لأن الإسلام كامل والإسلاميين بشر يصيبون ويخطئون ، فكيف نطالبه الآن بأن يثق في الإسلاميين دون أن يرى بعينيه وعقله حقيقة الإسلام والدستور الذي يدعو إليه الإسلاميون؟

وهنا وإمعانا في "عملية" الفكرة ، إذا لم تقم الهيئات الرسمية والأحزاب الإسلامية بدورها الهام والحساس في هذه القضية على الفور ، فينبغي على كل المسلمين أن يتحركوا من أجل دينهم وتوضيح صورته المبهمة في عيون أبنائه قبل خصومه ،  أدعو كل المسلمين (وليس الإسلاميين) ، أدعو الشباب والفتيات والرجال والنساء والشيوخ والعجائز أن يشاركوا في هذا المشروع ، أدعو شباب الأزهر وشباب المحامين وشباب المستشارين أن يتواصلوا ويكونوا لجان لوضع هذا التصور وهذا النموذج ، أدعو كل من يمتلك كتابا أو رسالة ماجستير أو دكتوراه في هذا الشأن سواء بقلمه أو قلم غيره من المتخصصين الثقات أن يخرجها للناس وينشرها ، بل وأدعو كل من يمتلك نسخة من النماذج المشهورة التي ذكرتها أن يصورها وينشرها ويرفعها على الانترنت وأن يرسلها لي تفضلا، الدعوة لتطبيق الشريعة جزء لا يتجزأ من الدعوة إلى الله والتي ينبغي أن تكون على بصيرة وعلم وبرهان ، وليس مجرد عواطف ، (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)) سورة يوسف
للتواصل مع الكاتب عبر الفيس بوك
مدونة الكاتب